انطباعات من بروكسل
يكتبها د. جمال المجايدة
زرت بروكسل هذا الصيف، وكانت أجواؤها هادئة، أقرب إلى ليالي الخريف الرومانسية. المدينة الأنيقة تبعث شعورًا بالسكينة في الليل والنهار، وقلما تزعج زائرها. عند وصولي مساءً، أخذت جولة في المدينة القديمة مع أصدقائي، واستمتعنا بسحر بروكسل الليلي؛ مطاعم المأكولات البحرية أضفت بهجة، والناس حولنا كانوا يتسامرون بهدوء حتى منتصف الليل.
في اليوم التالي، خرجت لاستكشاف المدينة سيرًا على الأقدام. المطر الخفيف أضفى جمالاً على الأرصفة والوجوه، والعيون الزرقاء تتراقص لمتابعة حركة الناس وحيوية المدينة. المعالم التاريخية، التماثيل، والحدائق، تجعل الزائر يعيش تجربة تشبه متحفًا حيًا يروي تاريخ بلجيكا عبر القرون.
قلب السياحة الأوروبية
بلجيكا، رغم صغر حجمها، تعد قلب السياحة الأوروبية. تقع على مفترق طرق حضارات أوروبا العريقة، وهي مركز نابض بالحياة، يسهل الوصول منها إلى كافة العواصم الأوروبية. وفقًا لمسؤولين من هيئة السياحة في بروكسل، يمكن للسائح أن يجعل من بلجيكا نقطة انطلاق لاستكشاف أوروبا: إفطار في بروكسل أو لييج، ثم التوجه إلى باريس أو أمستردام، وعشاء في براغ أو ميلانو، مع العودة في نفس الليلة.
بلجيكا أيضًا وجهة مفضلة للأوروبيين أنفسهم، فهي تختزل كل ما يتوقع الزائر أن يجده في القارة: مكتبات ألمانية، مشروبات فرنسية، أوبرا إيطالية، مصارف بريطانية، عرائس روسية، بهارات عربية، سوشي ياباني، سيارات سويدية، وصحف يونانية.
بعد الغداء، لا يفوتك التجول في ساحة غراند بلاس، قلب بروكسل التاريخي، حيث العمارة الباروكية المذهلة والمقاهي المنتشرة تجعل من الجلوس لحظة من الراحة والمتعة بعد الجولة الطويلة.
السحر البلجيكي
بلجيكا، بمساحة 30,520 كلم²، تقع شمال شرق أوروبا، تحدها هولندا شمالًا، وألمانيا ولوكسمبورغ شرقًا، وفرنسا جنوبًا، وبحر الشمال غربًا. مع كثافة سكانية تبلغ 336 نسمة لكل كلم²، يعيش 5.8 مليون نسمة في الشمال (فلاندر) واللغة الهولندية لغة رسمية لهم، ونحو 3.2 مليون في الجنوب (الوالون) يتحدثون الفرنسية، إضافة إلى الأقلية الناطقة بالألمانية في الشرق.
تتميز بلجيكا بشبكة مواصلات ممتازة: مطارات دولية ومحلية، موانئ، طرق سريعة، وسكك حديدية واسعة. العاصمة بروكسل وحدها تمثل مركز الأعمال والفن والثقافة عالميًا، بينما تضم مناطق الفلاندر والوالون ثروات معمارية وتاريخية فريدة.
بروكسل هي عاصمة الدولة الفيدرالية، وعاصمة منطقة الفلاندر، وعاصمة أوروبا السياسية، وأكثر العواصم خضرة في العالم، مقاومة للتوسع العشوائي الذي تعانيه مدن أخرى.
مدينة المتاحف والفن
بروكسل تحتضن نحو 90 متحفًا و30 مسرحًا وقاعة حفلات، أبرزها مسرح لامونيه وقصر الفنون الجميلة. المتاحف تشمل: العلوم الطبيعية، الآلات الموسيقية، الفنون القديمة والحديثة، السيارات، والجيش الملكي، بالإضافة إلى متحف التاريخ الطبيعي الذي يضم هياكل ديناصورات كبيرة وقطعًا معدنية وصخرية نادرة
متحف الآلات الموسيقية يتيح للزائر سماع الصوت الصادر عن كل آلة عبر سماعات آلية، بينما توفر بروكسل فرصًا كبيرة للأطفال عبر ورش تعليمية ممتعة. المدينة أيضًا من أهم مراكز الرقص المعاصر، وتضم مكتبة سينمائية ضخمة، بالإضافة إلى تنظيم ثلاثة مهرجانات سينمائية سنويًا: بروكسل الدولي للأفلام، الدولي للرسوم المتحركة، والدولي للفيلم الخيالي.
ملامح البرجوازية والمعالم البارزة
أول ما يجب زيارته في بروكسل هو القصر الكبير، تحفة معمارية من القرن الرابع عشر، بالإضافة إلى مبنى السانكونتنير، والأتوميوم بارتفاع 102 متر، وقصر العدل ذو الـ325 غرفة، وأروقة سان هوبير، ومتنزه ميني يوروب الذي يعرض أهم معالم أوروبا مصغرة.
وسط العاصمة آمن للسياح، بينما المناطق الشعبية البعيدة تحتاج الحذر من التجوال ليلاً. وتتميز بروكسل بروحها الباروكية الساحرة، التي تأسر الألباب دومًا.
شيليون والماسيلز والشوكولاتة
في اليوم الأخير، تناولت العشاء في مطعم Chez Leon الشهير بالمأكولات البحرية و”ماسيلز“، وهو شارع يعود إلى أكثر من 390 عامًا ويضم أكثر من 200 مطعم متخصص.
لا يمكن الحديث عن بروكسل دون ذكر الشوكولاتة البلجيكية، التي بدأت قصتها في القرن السادس عشر مع الإسبان والمكسيك، وتحولت عبر الزمن إلى علامة مميزة تستهوي الزوار من كل أنحاء العالم.
بروكسل مدينة العراقة والفن والسحر البلجيكي الذي يأخذ الألباب دومًا !