إعداد: فادية عمار
في بلد يغطي الجبل أكثر من تسعين في المئة من مساحته، لا يكون الطريق مجرد وسيلة للوصول، بل هو الرحلة نفسها. فطريق الپامير السريع (M41) يمتد نحو 1200 كيلومتر عبر سلاسل جبلية تُعرف بـ«سقف العالم»، ويبلغ ذروته عند ممر أكبيتال على ارتفاع 4655 متراً، ليصبح من أعلى الطرق الدولية في العالم. وعلى جانبيه تظهر قمم شاهقة وبحيرات بلون الفيروز وقرى ما زالت تعيش بإيقاع أجدادها. إنها طاجيكستان، الدولة الواقعة في قلب آسيا الوسطى، والتي ما زال كثير من المسافرين العرب يمرّون قربها دون أن يتوقفوا عندها.
الپامير: حيث تتحوّل الجغرافيا إلى مغامرة
في أقصى الشرق تقف جبال الپامير بمهابتها، وفيها قمة إسماعيل سامانی التي ترتفع 7495 متراً، وهي أعلى قمم البلاد. وقد أُدرجت جبال الپامير ضمن المتنزه الوطني الطاجيكي على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2013، في محمية واسعة تشكّل نحو ثمانية عشر في المئة من مساحة البلاد. وفي قلب هذه الأرض الوعرة يمتدّ نهر فيدتشينكو الجليدي بطول يقارب 77 كيلومتراً، وهو أطول نهر جليدي في العالم خارج المناطق القطبية، مشهد يذكّر الزائر بأن للطبيعة هنا مقاييس مختلفة.
بحيرات لا تشبه غيرها
وتزداد الرحلة سحراً حين تتوالى البحيرات على الطريق، وكل واحدة منها تحمل حكاية. فبحيرة كاراكول، على ارتفاع نحو 3900 متر، بحيرة مالحة يُعتقد أنها تشكلت إثر اصطدام نيزك قبل ملايين السنين. أما بحيرة سارز فقد وُلدت عام 1911 حين تسبب زلزال في انهيار جبلي ضخم سدّ الوادي، فتكوّنت بحيرة زرقاء ما زالت من أكثر بحيرات العالم إثارة للدهشة. وفي جبال فان تستقر بحيرة إسكندركول على ارتفاع نحو 2200 متر، وتنسبها الروايات المحلية إلى الإسكندر الأكبر. وفي وادي زرافشان تمتد البحيرات السبع (هفت كول)، وتختلف ألوان مياهها من واحدة إلى أخرى، فتغدو من أجمل محطات المشي في الجبال.
ممر واخان: رحلة على حافة التاريخ
وعلى امتداد نهر بنج، الذي يفصل طاجيكستان عن أفغانستان، يمرّ المسافر بممر واخان الذي يجمع الطبيعة والتاريخ في لوحة واحدة. هناك تشرف قلعة يامتشون على الوادي منذ أكثر من ألفي عام، وقربها تنبع ينابيع بيبي فاطمة الحارة التي يقصدها المسافرون للاستجمام بعد أيام طويلة على الطريق. وفي لنغر تحفظ النقوش الصخرية رسوماً نُحتت منذ آلاف السنين، شاهدةً على أن هذه الممرات كانت يوماً جزءاً من طريق الحرير.
مدن وحضارات أعمق من الطبيعة
ولا تقتصر طاجيكستان على جمال الجبال، ففيها ذاكرة حضارية عريقة. ففي سرازم، قرب مدينة بنجكنت، موقع أثري يعود إلى نحو 5500 سنة، يُعدّ من أقدم المستوطنات الحضرية في آسيا الوسطى، وكان أول موقع طاجيكي يُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2010. وفي وادي يغنوب يعيش شعب يتحدث لغة تُعدّ من أقرب اللغات الحية إلى السغدية القديمة، لغة تجار طريق الحرير. أما العاصمة دوشنبه، فاسمها يعني “الاثنين” بالفارسية، نسبة إلى السوق الأسبوعي الذي كان يُقام في قريتها القديمة قبل أن تتحوّل إلى مدينة حديثة.
ضيافة قريبة من القلب
يجد المسافر العربي في طاجيكستان ألفة غير متوقعة. فاللغة الطاجيكية قريبة من الفارسية، وفي مفرداتها كلمات كثيرة دخلت إليها من العربية، والأغلبية مسلمة، وموائدها عامرة بالشواء والخبز المحلي، وأهلها يتقنون فن الضيافة في القرى والمدن. وتبقى مدينة خوروغ، عاصمة إقليم بدخشان، نقطة الانطلاق المثالية لرحلات الپامير.
قد لا تملك طاجيكستان فنادق فاخرة على كل قمة، ولا شواطئ مزدحمة بالسياح، لكنها تقدم شيئاً بات نادراً في عالم السفر: مسافة حقيقية بينك وبين الضجيج. هنا تنام تحت سماء بلا تلوث ضوئي، وتستيقظ على جبل يبلغ سبعة آلاف متر، وتشرب الشاي في بيت أسرة تستقبلك كأنك واحد منها. وحين تعود، لن يكون السؤال “لماذا ذهبتُ إلى طاجيكستان؟”، بل: “لماذا انتظرتُ كل هذا الوقت؟”





