مالطا – د. جمال المجايدة :حين وطأت قدماي أرض جزيرة مالطا للمرة الاولى بتاريخ 14 يوليو 2026، أدركت أنني لا أزور مجرد جزيرة متوسطية جميلة، بل أقف عند مفترق طرق عبرت منه الحضارات الكبرى، وتركت كل منها بصمة لا تزال حاضرة في العمارة واللغة والثقافة ونمط الحياة.
فعلى مساحة لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات المربعة، كتبت مالطا فصولاً من تاريخ البحر الأبيض المتوسط امتدت لآلاف السنين، حتى أصبحت اليوم نموذجاً فريداً لدولة نجحت في تحويل إرثها الحضاري إلى أحد أهم مقومات قوتها الثقافية والسياحية.
مفترق طرق الحضارات
يقع أرخبيل مالطا في موقع استراتيجي بين أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهو موقع جعلها منذ أقدم العصور محطة للتجارة والملاحة البحرية، ومقصداً للقوى الكبرى التي تنافست للسيطرة على البحر الأبيض المتوسط.
ولذلك لم تكن مالطا مجرد جزيرة، بل كانت بوابة بين القارات، وجسراً للحوار والتبادل التجاري والثقافي بين الشرق والغرب.
الفينيقيون… بداية الحكاية
في القرن الثامن قبل الميلاد، وصل الفينيقيون إلى مالطا، وأنشأوا فيها مراكز تجارية مزدهرة مستفيدين من موقعها البحري المتميز.
وجلب هؤلاء البحارة المهرة معهم خبراتهم في الملاحة والتجارة، لتصبح الجزيرة محطة رئيسية على طرق التجارة التي ربطت سواحل المشرق العربي بشمال أفريقيا وجنوب أوروبا.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت مالطا تؤدي دورها التاريخي بوصفها حلقة وصل بين الحضارات.
الرومان… عصر الازدهار والاستقرار
مع دخول الرومان إلى الجزيرة، شهدت مالطا مرحلة جديدة من الاستقرار والتنظيم الإداري.
شُيدت الطرق، وازدهرت التجارة، وارتبطت الجزيرة بالإمبراطورية الرومانية، لتصبح جزءاً من واحدة من أعظم القوى في التاريخ.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن القديس بولس وصل إلى مالطا بعد تحطم سفينته، وهو الحدث الذي ترك أثراً عميقاً في التاريخ الديني للجزيرة، وأسهم لاحقاً في انتشار المسيحية فيها.
الحقبة العربية… تأثير ما زال حياً
في القرن التاسع الميلادي دخل العرب مالطا، وتركوا فيها إرثاً حضارياً لا يزال واضحاً حتى اليوم.
فالكثير من أسماء المدن والقرى والحقول تعود إلى أصول عربية، كما أن اللغة المالطية، وهي اللغة الوطنية، تنتمي إلى الأسرة السامية، وتحتفظ بمفردات عربية عديدة، رغم أنها تُكتب بالأحرف اللاتينية.
ولم يقتصر التأثير العربي على اللغة، بل امتد إلى أنظمة الري والزراعة وتخطيط المدن، وهو ما جعل الحضارة العربية جزءاً أصيلاً من الهوية المالطية.
فرسان القديس يوحنا… بناء الدولة الحديثة
في القرن السادس عشر، دخلت مالطا مرحلة مفصلية مع وصول فرسان القديس يوحنا.
فبعد صمودهم في وجه الحصار العثماني الكبير عام 1565، شرعوا في بناء العاصمة فاليتا، التي أصبحت واحدة من أعظم المدن المحصنة في أوروبا.
وخلال هذه الفترة، شهدت الجزيرة نهضة معمارية وثقافية واسعة، أُقيمت فيها الكنائس والقصور والمستشفيات والتحصينات التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وتشهد على براعة التخطيط والهندسة في تلك الحقبة.
النفوذ البريطاني… بوابة إلى العصر الحديث
في القرن التاسع عشر أصبحت مالطا جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، واكتسبت أهمية استراتيجية كبيرة، خاصة خلال الحربين العالميتين.
وخلال هذه الفترة، تطورت مؤسسات الدولة، وازدادت أهمية اللغة الإنجليزية، وتحسنت البنية التحتية والتعليم والإدارة، مما أسهم في انتقال الجزيرة إلى مرحلة الدولة الحديثة.
ولا يزال هذا الإرث واضحاً في النظام القانوني، والتعليم، والإدارة العامة، واستخدام اللغة الإنجليزية إلى جانب المالطية.
الاستقلال والانفتاح الأوروبي
نالـت مالطا استقلالها عام 1964، ثم أصبحت جمهورية مستقلة بعد سنوات قليلة، قبل أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، وتتبنى العملة الأوروبية الموحدة لاحقاً.
وقد فتح هذا الانضمام آفاقاً جديدة للتنمية الاقتصادية، والاستثمار، والتعليم، والسياحة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهوية الوطنية والتراث الثقافي.
وأصبحت مالطا اليوم مثالاً لدولة صغيرة نجحت في الاستفادة من موقعها الجغرافي وتاريخها العريق لبناء اقتصاد متنوع يعتمد على السياحة، والخدمات المالية، والتكنولوجيا، والتعليم الدولي.
التنوع… سر الشخصية المالطية
ما يميز مالطا أن الحضارات التي مرت بها لم تُلغِ بعضها بعضاً، بل اندمجت في هوية واحدة.
فالزائر يلاحظ بسهولة التأثيرات العربية في اللغة، والإيطالية في المطبخ، والبريطانية في الإدارة والتعليم، والأوروبية في أسلوب الحياة، لتتشكل شخصية مالطية فريدة يصعب العثور على مثيل لها في أي دولة أخرى.
إنها دولة نجحت في تحويل التنوع إلى عنصر قوة، والتاريخ إلى جزء من حياتها اليومية.
وجهة سياحية… ومتحف مفتوح
اليوم، تستقبل مالطا ملايين الزوار سنوياً، ليس فقط بسبب شواطئها الجميلة، بل أيضاً لما تضمه من مدن تاريخية مثل فاليتا ومدينا، ومواقع أثرية، وقلاع، وكنائس، ومتاحف، تجعل منها متحفاً مفتوحاً تحت سماء البحر الأبيض المتوسط.
وفي كل شارع، يشعر الزائر أن الماضي لا يزال حاضراً، وأن الحضارات التي مرت من هنا لم تغادر، بل تركت بصماتها لتروي للأجيال قصة جزيرة أصبحت رمزاً للتواصل بين الشعوب.
مالطا… عندما يتحول التاريخ إلى مستقبل
قد تبدو مالطا نقطة صغيرة على خريطة العالم، لكنها في الحقيقة صفحة كبيرة في كتاب الحضارة الإنسانية.
فهي لم تكن يوماً مجرد جزيرة، بل كانت جسراً عبرت فوقه الثقافات، وميناءً استقبل الحضارات، وأرضاً احتضنت شعوباً مختلفة دون أن تفقد هويتها.
ولعل هذا هو سر سحر مالطا الحقيقي؛ فهي لا تكتفي بأن تعرض تاريخها في المتاحف، بل تجعل الزائر يعيش هذا التاريخ في شوارعها، ولغتها، وعمارتها، وأسلوب حياة أهلها.
وهكذا، تبقى مالطا مثالاً حياً على أن قوة الأمم لا تُقاس باتساع أراضيها، بل بقدرتها على صون تراثها، والانفتاح على العالم، وبناء مستقبل يستند إلى تاريخ عريق وهوية راسخة.













