مالطا – د. جمال المجايدة : لم تكن زيارتي إلى مدينة “مدينا ” مجرد محطة ضمن رحلتي إلى مالطا، بل كانت تجربة استثنائية أعادتني إلى عصور الفرسان والملوك، حيث لا تزال الشوارع الحجرية، والقصور العريقة، والأسوار الضخمة تحافظ على ملامحها كما كانت قبل مئات السنين.
تقع مدينا في قلب جزيرة مالطا، فوق تلة تشرف على معظم أنحاء الجزيرة، وتُعرف عالمياً باسم “المدينة الصامتة”، وهو لقب لم يأتِ من فراغ، بل يعكس الهدوء الذي يلف أزقتها الضيقة، ويمنح زائرها إحساساً نادراً بالسكينة، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احتراماً لعراقة المكان.
مدينة عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام
تُعد مدينا واحدة من أقدم المدن المأهولة في أوروبا، إذ تعود جذورها إلى العصور الفينيقية، قبل أن تصبح مركزاً مهماً في العصرين الروماني والعربي، ثم عاصمة لمالطا خلال العصور الوسطى وحتى القرن السادس عشر.
وتعاقبت على المدينة حضارات عدة، تركت جميعها بصماتها الواضحة في العمارة والثقافة والتخطيط العمراني، لتصبح اليوم متحفاً مفتوحاً يروي قصة البحر الأبيض المتوسط عبر آلاف السنين.
من بوابة المدينة تبدأ الرحلة عبر الزمن
ما إن يعبر الزائر البوابة الرئيسية لمدينا حتى يشعر وكأنه دخل إلى عالم آخر.الشوارع المرصوفة بالحجر الجيري، والممرات الضيقة المتعرجة، والمنازل ذات الشرفات الخشبية، والقصور التاريخية المزينة بالنوافذ المقوسة، جميعها ترسم لوحة معمارية بديعة تجمع بين الطرازين العربي والباروكي الأوروبي.
ولا تكاد تخلو زاوية من نافورة قديمة، أو ساحة صغيرة، أو كنيسة تاريخية، تضفي على المدينة مزيداً من السحر والوقار.
المدينة الصامتة
على خلاف معظم المدن السياحية الأوروبية، لا تسمع في مدينا ضجيج السيارات أو صخب الحركة التجارية.
فالمدينة تكاد تخلو من المركبات، ويقتصر التنقل فيها على المشي، مما يمنح الزائر فرصة نادرة للاستمتاع بأصوات الطبيعة وخطوات المارة، في تجربة تجعل الهدوء نفسه أحد معالم المدينة.
ولهذا السبب، يصف كثير من الزوار مدينا بأنها المكان المثالي للتأمل والابتعاد عن صخب الحياة الحديثة.
عمارة تحكي قصة حضارات متعاقبة
من أبرز ما يلفت الانتباه في مدينا التناغم المعماري الفريد الذي يعكس تأثير الحضارة العربية في تخطيط الأزقة الضيقة، إلى جانب الفخامة الباروكية التي ظهرت لاحقاً في القصور والكنائس.
وتُعد كاتدرائية القديس بولس إحدى أبرز معالم المدينة، بجمال واجهتها الداخلية، وأسقفها المزخرفة، وأرضياتها الرخامية التي تمثل تحفة فنية قائمة بذاتها.
كما تنتشر القصور الأرستقراطية التي لا تزال بعض العائلات المالطية العريقة تقيم فيها حتى اليوم، مما يضفي على المدينة طابعاً حياً، بعيداً عن فكرة المتحف الجامد.
شرفات تطل على البحر المتوسط
ومن أعلى أسوار مدينا، تتكشف أمام الزائر إطلالات بانورامية ساحرة على معظم أنحاء جزيرة مالطا.
في الأيام الصافية، تمتد الرؤية إلى مسافات بعيدة، حيث تتعانق القرى المالطية الصغيرة مع مياه البحر الأبيض المتوسط، في مشهد يجعل الوقوف على الأسوار لحظة لا تُنسى.
وجهة لعشاق التصوير والفنون
يصعب على محبي التصوير مقاومة سحر مدينا.
فالضوء الذهبي المنعكس على الحجر الجيري، والأبواب الخشبية الملونة، والشرفات التقليدية، والأزقة المتعرجة، توفر مئات الزوايا التي تبدو وكأنها لوحات فنية جاهزة لعدسة المصور.
ولهذا أصبحت المدينة موقعاً مفضلاً لتصوير الأفلام والمسلسلات العالمية، بفضل احتفاظها بطابعها التاريخي الأصيل.
قد لا يتجاوز عدد سكان مدينا بضع مئات، لكنها تحمل بين أسوارها ذاكرة أمة كاملة.
إنها مدينة لا تعتمد على الأبراج الشاهقة أو مراكز التسوق الحديثة لتجذب زوارها، بل تكتفي بأن تقدم لهم هدية نادرة: فرصة للعودة إلى زمن كانت فيه المدن تُبنى بالحجر، وتُحكى قصصها في الساحات، ويُقاس جمالها بقدرتها على الصمود أمام الزمن.
غادرت مدينا وأنا أدرك أن بعض المدن لا تُبهر الزائر بضخامتها، بل بعظمتها الهادئة، وأن التاريخ، عندما يُحسن الناس الحفاظ عليه، يتحول إلى أعظم استثمار سياحي وثقافي يمكن أن تملكه أي دولة.














