كابري – نابولي – د.جمال المجايدة : هناك مدن تُكتشف من شوارعها، وأخرى من ساحاتها، لكن جزيرة كابري الإيطالية لا تكشف جمالها الحقيقي إلا من البحر. وخلال زيارتي للجزيرة الأسبوع الماضي، كانت الجولة البحرية بالقارب الصغير حول سواحلها واحدة من أجمل التجارب السياحية التي عشتها، إذ بدت كابري من الماء وكأنها لوحة فنية رسمتها الطبيعة على مدى آلاف السنين.
انطلقت الرحلة من ميناء مارينا غراندي وسط أجواء متوسطية رائعة، حيث أخذ القارب يشق مياهاً فيروزية شديدة الصفاء، بينما كانت المنحدرات الصخرية الشاهقة ترتفع مباشرة من البحر، في مشهد يخطف الأنفاس ويجسد روعة الساحل الإيطالي.
وخلال الإبحار، مررنا بعدد من الكهوف البحرية الشهيرة التي تشتهر بها الجزيرة، ومنها الكهف الأبيض والكهف الأخضر، إضافة إلى الإطلالة على الكهف الأزرق الشهير الذي يعد أحد أشهر المعالم الطبيعية في إيطاليا عندما تسمح ظروف البحر بزيارته. كما شاهدنا المنارة التاريخية في بونتا كارينا، والأقواس الصخرية الطبيعية، والمنحدرات التي تعانقها أمواج البحر في تناغم بديع. وتعد هذه المواقع من أبرز محطات الجولات البحرية حول الجزيرة.
أما اللحظة الأكثر إثارة فكانت عند الاقتراب من صخور فاراليوني العملاقة، وهي ثلاثة أعمدة صخرية ترتفع من قلب البحر لتشكل الرمز الأشهر لجزيرة كابري. وعندما عبر القارب بالقرب منها، شعرت بأنني أمام إحدى أعظم روائع الطبيعة في البحر المتوسط، حيث تتداخل زرقة المياه مع بياض الصخور وألوان السماء في لوحة يصعب وصفها بالكلمات. وتحرص معظم الجولات البحرية على المرور بهذه الصخور التي تعد أبرز معالم الجزيرة.
وكان أكثر ما لفت انتباهي هو صفاء المياه الذي يسمح برؤية الأعماق بوضوح، إلى جانب الهدوء الذي يلف الساحل بعيداً عن صخب الشوارع والأسواق. فمن البحر تبدو كابري مختلفة تماماً؛ فيلات أنيقة تتربع فوق القمم الصخرية، وحدائق خضراء تتدلى نحو البحر، وكهوف صغيرة نحتتها الأمواج عبر آلاف السنين، في مشهد يجسد الانسجام الكامل بين الإنسان والطبيعة.
وقد روى قائد القارب للركاب العديد من القصص التاريخية والأساطير المرتبطة بالجزيرة، ومنها ارتباطها بالإمبراطور الروماني تيبيريوس الذي اتخذ من كابري مقراً لإقامته، وما تزال آثار تلك الحقبة شاهدة على التاريخ العريق لهذه الجزيرة الساحرة.
وبالنسبة لعشاق التصوير، فإن الجولة البحرية توفر زوايا استثنائية لا يمكن مشاهدتها من اليابسة، حيث تنعكس أشعة الشمس على الصخور البيضاء، وتتغير ألوان المياه بين الأزرق الداكن والفيروزي والأخضر الزمردي مع حركة القارب، لتمنح المصورين عشرات اللقطات التي تبدو وكأنها بطاقات بريدية.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تمنح الزائر فرصة لرؤية كابري كما رآها البحارة والفنانون والشعراء عبر القرون؛ جزيرة تخرج من قلب البحر كتحفة طبيعية نادرة، تجمع بين الجبال والكهوف والصخور والمياه الصافية في مشهد يصعب أن يتكرر في أي مكان آخر.
لقد أدركت بعد هذه الجولة أن زيارة كابري لا تكتمل بالتجول في أزقتها أو ساحاتها الجميلة فقط، بل تبدأ فعلياً عندما يبحر القارب حول سواحلها. فمن هناك فقط يدرك الزائر لماذا ظلت هذه الجزيرة لعقود طويلة إحدى أكثر الوجهات سحراً وجاذبية في البحر المتوسط، ولماذا يعود إليها ملايين السياح عاماً بعد عام بحثاً عن الجمال الذي لا يشيخ.















