ستوكهولم – د. جمال المجايدة
في مطلع نوفمبر 2007، سنحت لي الفرصة الأولى لزيارة بلدان الشمال الأوروبي؛ السويد والدنمارك، تلك الأرض الإسكندنافية التي طالما أثارت فضولي بطبيعتها الهادئة ومدنها التي تتنفس فناً وتاريخاً عند أقصى شمال القارة الأوروبية.
انطلقت الرحلة عبر الخطوط الجوية الإسكندنافية «ساس» من دبي إلى كوبنهاغن في أقل من ست ساعات ونصف، ومنها إلى مطار أرلاندا في السويد، حيث استقبلتنا لافتات كتب عليها: «ستوكهولم عاصمة إسكندنافيا»؛ شعارٌ ارتبط باحتفالات مرور 750 عاماً على تأسيس المدينة عام 1252.
من المطار إلى الفندق المطل على الميناء الرومانسي، كانت الطريق كافية لإدراك أنني أمام مدينة مختلفة؛ مدينة تتناثر فوق الماء، وتنساب بين الجزر، وتدعوك لتتأملها يسرة ويمنة قبل أن تطأ قدماك شوارعها.
مدينة تنام على 14 جزيرة
شُيّدت ستوكهولم على 14 جزيرة، يربط بينها نحو 50 جسراً، عند ملتقى بحيرة «مالارن» ببحر البلطيق. هذا الامتزاج الفريد بين الماء واليابسة منحها لقب «بندقية الشمال»، في تشبيه بمدينة البندقية الإيطالية.
تمتزج في ستوكهولم العمارة العائدة إلى العصور الوسطى مع مبانٍ حديثة من الزجاج والفولاذ، في لوحة حضارية متجانسة. واللافت أن الطبيعة ليست مجرد خلفية للمدينة، بل شريك أساسي في تكوينها؛ آلاف الجزر الصغيرة تحيط بها، لتشكل أرخبيلًا يعد من الأجمل في أوروبا.
القصر الملكي ومتحف فازا… ذاكرة السويد الحية
من أبرز معالم العاصمة القصر الملكي السويدي، الذي يضم نحو 600 غرفة، وشُيّد بين عامي 1697 و1754 على الطراز الإيطالي. داخل القصر، يطالع الزائر متحف الأسلحة الملكية ومعرض مجوهرات التاج التي استُخدمت في تتويج ملوك وملكات السويد.
ولا تكتمل الزيارة دون المرور على متحف فازا، الذي يحتضن السفينة الحربية «فازا» التي بُنيت عام 1628 بأمر من الملك غوستاف أدولف، وغرقت في رحلتها الأولى بسبب اختلال توازنها، قبل أن تُنتشل عام 1961 وتُرمم لتصبح تحفة بحرية فريدة.
الغداء في شرفة المتحف المطلة على البحر كان تجربة لا تقل روعة عن مشاهدة السفينة نفسها، التي ترتفع بجدرانها الخشبية المزخرفة كأنها قادمة من ملحمة تاريخية.
غاملا ستان… قلب التاريخ النابض
في غاملا ستان، البلدة القديمة التي تعود إلى القرنين السادس عشر حتى التاسع عشر، تتجسد روح المدينة الأصيلة. أزقة ضيقة مرصوفة بالحجارة، مبانٍ ملونة، محال للحرف اليدوية، ومقاهٍ دافئة تحتضن الزائر من برد الشمال.
إلى جوارها تقف كنيسة ريدارهولمن، التي يزيد عمرها على 700 عام، وتضم قبور عدد من ملوك السويد.
أما عشاق التراث الشعبي، فوجهتهم إلى متحف سكانسن، أقدم متحف مفتوح في العالم، حيث تتجاور البيوت التقليدية والأنشطة الحرفية وحديقة الحيوانات الإسكندنافية، في تجربة تعيد الزائر قروناً إلى الوراء.
عاصمة نوبل… ومسرح مفتوح للإبداع
ستوكهولم ليست مدينة جمال طبيعي فحسب، بل عاصمة ثقافية بامتياز. ففي كل ديسمبر، تحتضن قاعة بلدية المدينة احتفالات توزيع جوائز نوبل، حيث يتوافد العلماء والأدباء من أنحاء العالم.
المشهد الثقافي هنا نابض بالحياة: من دار الأوبرا الملكية السويدية إلى المسارح الوطنية والفرق المستقلة، حيث تنتشر في العاصمة عشرات المسارح وقاعات العروض.
الدعم الحكومي والخاص للفنون واضح، فالشركات الكبرى ترى في الثقافة «روح الأمة»، وتساهم بسخاء في دعم المسرح والأوبرا والباليه والرقص الحديث.
حتى في الصيف، تتحول حدائق ستوكهولم إلى مسارح مفتوحة للعائلات والأطفال، بعروض مجانية يشارك فيها نجوم المسرح والتلفزيون.
الإقامة والتنقل… مدينة صديقة للمشاة
الإقامة في ستوكهولم تتنوع بين الفنادق الفاخرة والخيارات المتوسطة، مع مستوى عالٍ من التنظيم والخدمة.
وأفضل وسيلة لاكتشاف المدينة هي المشي؛ فوسطها يمكن عبوره خلال نحو 25 دقيقة، بينما تغطي شبكة المواصلات العامة — خاصة مترو «تانلبانا» — جميع الأحياء بكفاءة عالية. كما تربط العبارات البحرية الجزر ببعضها، في تجربة تنقل لا تقل جمالاً عن وجهتك نفسها.
ولعشاق الرحلات الطويلة، تبقى جولة القنال المائية التي تربط ستوكهولم بمدينة غوتنبرغ عبر بحيرات وقلاع وقرى قديمة، واحدة من أمتع التجارب الإسكندنافية.
ستوكهولم… عشق لا ينتهي
من يأتي إلى ستوكهولم، عاصمة الحب والجمال والفن والديمقراطية، يصعب عليه مغادرتها.
مدينة تجمع بين صفاء الطبيعة ورقي الإنسان، بين عبق التاريخ وحداثة الحاضر، وبين الماء والحجر في تناغم نادر.
بعد أكثر من سبعة قرون على تأسيسها، ما تزال ستوكهولم تثبت أن المدن العظيمة لا تُقاس بعمرها فقط، بل بقدرتها على تجديد روحها… كل يوم .















