الاسكندرية – د.جمال المجايدة : يشهد منتزه الإسكندرية تحولاً متسارعاً ليصبح واحداً من أهم المتاحف المفتوحة في مصر والمنطقة العربية، جامعاً بين سحر الطبيعة الخلابة وعبق التاريخ الملكي الذي ارتبط بأسرة محمد علي، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على التراث الوطني وإتاحته للأجيال القادمة ضمن تجربة ثقافية وسياحية متكاملة.
ويُعد المنتزه، الذي يمتد على مساحة 270 فدان على ساحل البحر المتوسط شرق الإسكندرية، أحد أبرز الشواهد الحية على تاريخ مصر الحديث، حيث احتضن على مدار عقود قصوراً وحدائق ومبانٍ ملكية ارتبطت بملوك وأمراء الأسرة العلوية، وفي مقدمتها قصر السلاملك وقصر الحرملك اللذان شكلا مقراً صيفياً للعائلة المالكة المصرية.
تراث ملكي نابض بالحياة
يتميز المنتزه بكونه أكثر من مجرد حديقة تاريخية، فهو يمثل سجلاً مفتوحاً يوثق مراحل مهمة من تاريخ مصر السياسي والاجتماعي والثقافي. فبين أروقته وحدائقه الواسعة يمكن للزائر استحضار حقبة كاملة من تاريخ البلاد، حين كانت الإسكندرية العاصمة الصيفية غير الرسمية للملكية المصرية ومقصداً للنخب السياسية والدبلوماسية من مختلف أنحاء العالم.
وتبرز القصور الملكية المنتشرة داخل المنتزه والتي تديرها حاليا شركة ريكسوس مصر , باعتبارها تحفاً معمارية فريدة تجمع بين الطرازين الأوروبي والإسلامي، وتعكس الذوق الفني الرفيع الذي ساد خلال أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. كما تشكل الحدائق التاريخية المحيطة بها نموذجاً متميزاً لفنون تنسيق الحدائق الملكية التي تضم أنواعاً نادرة من الأشجار والنباتات المستوردة من مختلف دول العالم.
متحف مفتوح تحت السماء
فكرة تحويل المنتزه إلى متحف مفتوح تقوم على ربط عناصر التراث المعماري والتاريخي والطبيعي في تجربة واحدة، تتيح للزوار التعرف على تاريخ الأسرة المالكة المصرية من خلال المباني الأصلية والمقتنيات التاريخية مثل قطار الملك فاروق الذي كان يستخدمه في تنقلاته بين المحافظات المصرية , والمعارض التفاعلية واللوحات التعريفية المنتشرة في أنحاء الموقع.
كما يتيح هذا التوجه إبراز القصص المرتبطة بالملوك والأمراء الذين أقاموا في المنتزه، والأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها القصور الملكية، بما يحول المكان إلى منصة حية لسرد تاريخ مصر الحديث بطريقة تجمع بين الترفيه والمعرفة.
وجهة سياحية عالمية
يسهم تطوير المنتزه وتعزيز طابعه المتحفي في دعم مكانة الإسكندرية كإحدى أهم الوجهات السياحية والثقافية في منطقة البحر المتوسط. فالزائر لا يكتفي بمشاهدة المعالم التاريخية، بل يستمتع أيضاً بالشواطئ الساحرة والمساحات الخضراء الواسعة والإطلالات البحرية الفريدة التي تجعل من المنتزه وجهة متكاملة للعائلات والمهتمين بالتاريخ والتراث.
ويرى خبراء السياحة أن المشروع يمثل نموذجاً ناجحاً لاستثمار التراث الثقافي في دعم الاقتصاد السياحي، خاصة في ظل تنامي الطلب العالمي على سياحة التراث والتجارب الثقافية الأصيلة.
ذاكرة وطنية للأجيال القادمة
إن تحويل منتزه الإسكندرية إلى متحف مفتوح لتراث ملوك مصر لا يقتصر على الحفاظ على المباني التاريخية فحسب، بل يهدف إلى صون ذاكرة وطنية كاملة تجسد مرحلة مهمة من تاريخ البلاد. ومن خلال هذا المشروع، تستعيد الإسكندرية جزءاً من مكانتها التاريخية كمدينة للثقافة والفنون والتنوع الحضاري، فيما يحظى الزوار بفرصة فريدة للقيام برحلة عبر الزمن بين قصور الملوك وحدائقهم، في مشهد يجمع بين جمال الطبيعة وروعة التاريخ.
وبذلك يتحول منتزه الإسكندرية إلى أيقونة ثقافية وسياحية تعكس ثراء التراث المصري، وتقدم نموذجاً ملهماً لكيفية توظيف المواقع التاريخية في خدمة التنمية الثقافية والسياحية المستدامة.








