انطباعات من زيوريخ
يكتبها / د. جمال المجايدة
على ضفاف البحيرة، وتحت ظلال جبال الألب، تنام زيوريخ بهدوء المدن الواثقة من جمالها. مدينة أنيقة، ثرية، وآمنة، تتقن الجمع بين المال والرومانسية، وبين الصرامة السويسرية ودفء المشاعر الإنسانية.
رغم أنها ليست زيارتي الأولى، فإن زيوريخ تكشف لي في كل مرة وجهًا جديدًا؛ مدينة صغيرة بحساب الأرقام، لكنها عالمية بروحها، متعددة بثقافتها، ومليئة بالتفاصيل التي تُغري بالاكتشاف.
مدينة العالم الصغير
تُعد زيوريخ أكبر مدن سويسرا، ورغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 365 ألف نسمة، فإنها تحضر بقوة في المقارنات الدولية. فقد تصدّرت في عام 2006 تصنيف أفضل مدن العالم من حيث مستوى المعيشة، وفق دراسات دولية مستقلة، وهو إنجاز لم يكن مفاجئًا لمن يعرف هذه المدينة عن قرب.
نظافة لافتة، مساحات خضراء واسعة، بحيرات صافية، نوافير مياه عذبة، وطيور تتشارك المكان مع الزوار في مشهد يومي يشي بالسلام والانسجام مع الطبيعة.
في الحي القديم… حيث يسكن التاريخ
في المدينة القديمة في زيوريخ، أو آلت شتات، تكتشف الروح الحقيقية للمدينة. هنا الأزقة الضيقة، والمقاهي العتيقة، والمباني التي يعود عمر بعضها إلى أكثر من 600 عام.
من تلة ليندينهوف، تتجلى زيوريخ القديمة والجديدة في لوحة واحدة، يربط بينهما حب الحياة واحترام الإنسان.
وتعلو المشهد أبراج الكنائس الثلاث الشهيرة:
كنيسة غروسمونستر
كنيسة سانت بيتر ذات أكبر ساعة برج في أوروبا
كنيسة فراومونستر بنوافذها الزجاجية التي صممها الفنان العالمي مارك شاغال
ليل زيوريخ في الحي القديم نابض بالحياة، موسيقى من ثقافات متعددة، ووجوه من كل أنحاء العالم، في مشهد إنساني نادر يخلو من التوتر والعنصرية.
بحيرة زيوريخ… فسحة الروح
بحيرة زيوريخ، بمساحتها التي تتجاوز 22 كيلومترًا مربعًا، ليست مجرد معلم طبيعي، بل حالة شعورية. التنزه على ضفافها، أو الإبحار في مياهها باستخدام بطاقة المترو فقط، يمنح الزائر إحساسًا عميقًا بالطمأنينة.
والمشي في زيوريخ متعة بحد ذاته؛ فـ شارع بانهوف شتراسه، الممتد من محطة القطارات الرئيسية حتى البحيرة، يُعد من أشهر شوارع التسوق في العالم، بينما تحيط به المقاهي والمتاجر الراقية.
عشاء السابعة… حين تضبط زيوريخ ساعتك
في مطعم «ناين» القريب من فندق إيدن أو لاك المطل مباشرة على البحيرة، عرفت معنى الدقة السويسرية الاجتماعية.
العشاء في زيوريخ يبدأ تمامًا في السابعة مساءً، لا قبلها ولا بعدها، وكأن المدينة بأكملها تضبط ساعاتها على هذا الموعد.
المطبخ المحلي يقدّم أطباقًا شهيرة، أبرزها شرائح لحم زيوريخ، إلى جانب أسماك البحيرة الطازجة، وهي خيار يفضّله السويسريون لقناعتهم الصحية.
عاصمة ثقافية لا تنام
تضم زيوريخ أكثر من 50 متحفًا، أبرزها كونستهاوس زيوريخ، إضافة إلى دار الأوبرا، وصالة تونهالي الموسيقية، ومسرح زيوريخ العريق.
اللافت أن بطاقة المترو الأسبوعية تتيح دخول معظم هذه المرافق، بل وحتى رحلات البحيرة وحديقة الحيوان، ما يجعل المتعة الثقافية في متناول الجميع.
أما ليل زيوريخ، فيضم أكثر من 500 نادٍ وحانة، تفتح أبوابها بعد منتصف الليل، لتؤكد أن هذه المدينة الهادئة نهارًا تعرف كيف تحتفل بالحياة ليلًا.
مدينة عالمية المزاج
زيوريخ مدينة متعددة الجنسيات، ودودة مع زوارها، متسامحة في ثقافتها، منفتحة على الآخر. فيها مهرجانات مسرحية وموسيقية على مدار العام، وماراثون سنوي يغلق شوارع المدينة احتفاءً بالإنسان قبل السيارات.
وهي مدينة تفخر بنوافيرها التي يزيد عددها على 1200 نافورة مياه صالحة للشرب، وبمطاعمها التي يتجاوز عددها 1600 مطعم، وبمستوى أمان ونظافة يجعلها نموذجًا حضاريًا عالميًا.
خلاصة الرحلة
كنت أظن أن زيوريخ مدينة مال وأرقام، فإذا بها مدينة مشاعر وقلوب.مدينة تعرف كيف تكون عاصمة للتجارة، وفي الوقت نفسه ملاذًا للرومانسية والهدوء.زيوريخ لا تُزار مرة واحدة… بل تُعاش، وتُشتاق.










