باريس – د. جمال المجايدة
زيارة باريس لا تكتمل بدون المرور بمتحف «اللوفر»، ذلك الصرح الباريسي الضخم الذي يستقبل حوالي ستة ملايين زائر سنويًا، ليصبح بمثابة رئة العالم الثقافية، حيث يتنفس فيها كل إنسان مهما اختلفت خلفيته الحضارية أو الثقافية. فالمتحف الأكبر من نوعه في العالم، ويحتضن أكثر من 320 ألف عمل فني وإبداعي، يمثل ذاكرة حية للحضارات الإنسانية، من مصر القديمة وبابل حتى عصرنا الحالي.
بداية الرحلة مع «الموناليزا»
ولن تبدأ جولة أي زائر في اللوفر دون التوجه إلى جناح الموناليزا، اللوحة الأكثر شهرة وغموضًا في تاريخ الفن. فالمئات من الآلاف يقفون يوميًا أمام الابتسامة الغامضة لمحاولة فهم سرها. وقد حيرت هوية المرأة التي رسمها ليوناردو دافنشي عشاق الفن لقرون، لكن المؤرخة ماجدالينا سوويست تقول إنها تمكنت أخيرًا من كشف الغموض، معتبرة أن الموناليزا هي الكونتيسة كاترينا سفورزا، وأن خلف ابتسامتها الملائكية تختبئ روح امرأة قوية وذات نفوذ.
كانت كاترينا شخصية معقدة؛ فقد تزوجت ثلاث مرات وأنجبت 11 طفلاً، وارتبطت بعلاقات سياسية ومؤثرة. وساهمت في حكم مدينة فورلي بعد وفاة زوجها الأول، وخاضت صراعات دموية مع خصومها السياسيين، حتى أُبعدت لاحقًا إلى فلورنسا، حيث رسمها دافنشي قبل ست سنوات من وفاتها، لتظل ابتسامتها الغامضة مثار إعجاب أجيال متعاقبة.
رحلة «الموناليزا» عبر التاريخ
لم تستقر اللوحة في مكان واحد طوال تاريخها؛ فقد انتقلت بين فرنسا وإيطاليا عدة مرات منذ شرائها على يد فرانسوا الأول عام 1518، مرورًا بفونتانبلو، اللوفر، فرساي، وغرفة نابليون في التويلي، قبل أن تعود إلى اللوفر عام 1804. وسُرقت اللوحة عام 1911 على يد إيطالي حاول إعادة «الرائعة» إلى وطنها، لكن استعادتها وُصفت بالاحتفاء الكبير في باريس عام 1913. وحتى الحرب العالمية الثانية، نُقلت اللوحة خمس مرات وتم إخفاؤها في خمسة أماكن مختلفة حفاظًا على سلامتها.
سر الابتسامة الغامضة
توضح البروفيسور مارغريت ليفينغستون من جامعة هارفرد أن سر الابتسامة الغامضة يكمن في طريقة معالجة العين البشرية للصورة؛ فالابتسامة تبدو أكثر وضوحًا عند النظر غير المباشر للوحة، وتختفي عند التحديق المباشر، وهو ما يفسر جاذبيتها الغامضة التي تجذب الزوار باستمرار.
جناح الفلك والتنجيم الإسلامي
من أبرز أجنحة المتحف جناح الفلك والتنجيم في العالم الإسلامي منذ القرن الثامن الميلادي، ويشرف عليه قسم الآثار الإسلامية والشرقية. يضم الجناح كتبًا فلكية قديمة، أدوات قياس ومجسمات للكرة الأرضية، ويستعرض كيف ساهمت الحضارة الإسلامية في تطوير علم الفلك والتنجيم، مع التركيز على دورها في تحديد اتجاه الكعبة ومواقيت الصلاة، فضلاً عن تأثيرها على العلوم الأوروبية خلال عصر النهضة، ومن أبرز اكتشافاتها الأسطرلاب الذي استخدمه البحارة لتحديد مواقع النجوم بدقة.
تاريخ مصر القديم في اللوفر
يتيح الجناح الفرعوني في المتحف للزائر التعرف على تاريخ مصر القديم، من خلال أربعة محاور رئيسية: العيش، الإبداع، الاعتقاد، والموت. ويروي الجناح قصة الحرفيين في دير المدينة، المنطقة التي أقيمت فيها المقابر الفرعونية في وادي الملوك بين 1550 و1069 قبل الميلاد.
يعرض الجناح برديات ونقوشًا تصور الحياة اليومية للحرفيين، وأعمالهم، وحتى أسباب التأخير في تسليم حصص الطعام، وهو أول سجل موثق لإضراب العمال في التاريخ. كما تتجلى براعة الفنانين المصريين في التوابيت والمنحوتات والتماثيل الملونة، التي تكشف عن فهم الإنسان القديم للحياة والجمال والروتين اليومي.
الإجراءات الأمنية
على الرغم من زوال الطوابير الطويلة عند مدخل الهرم الزجاجي، إلا أن الإجراءات الأمنية مشددة للغاية. ويقر المسؤولون أن حماية 320 ألف عمل فني ليست بالأمر السهل، خاصة بعد سرقة لوحة لكاميل كورو القرن التاسع عشر. ويعمل الخبراء حاليًا على تطوير خطط أمنية متقدمة تشمل أجهزة مقاومة للسرقة وتنبيهات فورية عند لمس التحف.
تجربة الزائر
رغم هذه الإجراءات، يقضي الزائر عادة يومين أو ثلاثة في أروقة اللوفر، متجولًا بين الأجنحة والطوابق والقاعات الملكية، محاطًا بأثمن التحف الفنية التي ابتكرها الإنسان منذ العصور الفرعونية حتى عصر النهضة الأوروبية، ليغمره بريق الفن والأمل في كل زاوية !












