زيورخ – د. جمال المجايدة
قد تصيب الدقة السويسرية أحيانًا بعض الإرهاق! تجربة فريدة عاشها ركاب القطار السريع المتجه إلى زيوريخ، حين توقف القطار فجأة داخل نفق يمتد ثلاثة كيلومترات يُعرف باسم HESREBURG. انقطع التيار الكهربائي تمامًا، ووجدنا أنفسنا محشورين وسط النفق، بين خوف وقلق من قدوم قطار آخر على نفس الخط، فالنفق يربط شمال سويسرا بجنوبها ولا يوجد ممر بديل إلا عبر بطن الجبل المطل على بحيرة ليمان.
قائد القطار كان يطمئننا كل عشر دقائق عبر مكبر الصوت باللغات الألمانية، الفرنسية، والإنجليزية، قائلاً: “المكان خطر للغاية، لا يجب النزول من القطار، وسننتظر وصول قاطرة الطوارئ لسحبنا خارج النفق”.
ثلاث ساعات مرت ببطء، وسط توتر الركاب، واتصالاتهم الهاتفيّة مع ذويهم لمعرفة السبب. وكان من بين الركاب سياح إسرائيليون عادوا من منتجع زيرمات الشهير، الذين ظنوا في البداية أن العطل عمل تخريبي موجه ضدهم، حتى تأكدوا أن السبب هو عطل كهربائي أدى إلى ضرر في محرك القطار.
أخيرًا، وصلت القاطرة العملاقة وبدأت بسحب القطار نحو زيوريخ، وكان الفرح واضحًا على وجوه الجميع رغم التأخير والتوتر. حاول يوجينيو غينازي، مدير المشاريع في هيئة السياحة السويسرية، التخفيف من وطأة الحادث، مشيرًا إلى أن أي قطار معرض للعطل، إلا أن بعض الركاب لم يطمئنوا، مستذكرين حادثة مأساوية سابقة في مطار زيوريخ.
بعد الوصول، استقبلتنا السيدة إيفيلين مارتي، مرشدة سياحية وزوجة السفير السويسري السابق في اليابان، في زيوريخ القديمة، حيث أخذتنا في جولة عبر أزقتها التاريخية. أمام مبنى من أربع طبقات قرب مقر البلدية، أشرحت أن لينين عاش هنا بين 1916 و1917 قبل أن يغادر متخفياً إلى موسكو، وأن الجيران في ذلك الوقت لم يبدوا اعتراضهم إلا بعد أن أصبح زعيمًا سياسيًا عالميًا.
زيارة أرشيف المدينة كانت مفاجئة: أربعة طوابق فوق الأرض، وسبعة تحتها، توضح كيف حافظ أهل زيوريخ على الطابع التاريخي للمدينة عبر البناء تحت الأرض، بدلًا من الارتفاع فوقها. الجولة اختتمت بمطعم شوسي في الحي القديم، حيث تذوقنا طبق فوندوو الشهير، وهو خليط من الجبن الساخن يُغمس فيه الخبز المكعب بواسطة شوكة معدنية طويلة، مع طقوس وتقاليد محلية في تناوله.
من خلال التجول في الشوارع الرئيسية مثل هوبت بانهوف شتراسه، لاحظنا أن أغلب المارة من غير السويسريين، خاصة من إفريقيا وروسيا، بينما السويسريون يفضلون العيش في الضواحي الهادئة، مبتعدين عن الضوضاء والاختلاط بالزوار والمهاجرين.
رغم الرفاهية التي تميز سويسرا، تعكس وجوه السكان بعض القلق تجاه المستقبل المجهول، خاصة مع تدفق اللاجئين. لكن الدولة تقدم الدعم الكامل لهم، من مسكن ومصاريف أساسية، وحتى التعليم، دون تمييز ديني أو عرقي.
سويسرا بلد يتسم بالدقة، الهدوء، والرفاهية، لكنه يواجه تحديات مستقبلية مع الحفاظ على هويته التاريخية والتكيف مع العالم المتغير من حوله. تجربة اليوم داخل النفق وفي زيوريخ القديمة جعلتنا ندرك أن السفر ليس فقط لمشاهدة المناظر، بل لفهم القصص الإنسانية والتاريخية التي تُضفي على كل لحظة طعم المغامرة والتعلم .







