جنيف – د. جمال المجايدة
لا تستغرق الرحلة بالقطار السريع بين جنيف ولوزان أكثر من 45 دقيقة، لكنها كافية لتضع المسافر أمام مشهد طبيعي يأسر الحواس. القطار يشق طريقه بين حقول العنب التي تشتهر بها هضاب لافو، ويمر عبر أنفاق محفورة في عمق جبال الألب، بينما تنعكس زرقة السماء على صفحة بحيرة ليمان في لوحة بانورامية ساحرة.
خلال الرحلة، التقيت شابة في العشرين من عمرها كانت متجهة إلى منتجع زيرمات الجبلي. قالت مبتسمة، لكنها بدت جادة في رأيها:
“لم تعد جنيف مدينتنا في الصيف… لقد أصبحت للزوار.”
توضح أن المدينة تكتظ بالسياح العرب والأجانب، وأن الفنادق والمقاهي والمراكب البحرية محجوزة بالكامل، حتى إن أهلها يفضلون الهروب نحو الجبال بحثاً عن هدوء افتقدوه.
قلت لها إن السياحة مصدر دخل ضخم للاقتصاد السويسري، وإن ملايين الفرنكات التي ينفقها الزوار تنعش الأسواق. لكنها أجابت ببساطة: “نعم… لكنها لم تعد مدينتنا كما كانت.”
من يتمشى مساءً على ضفاف بحيرة جنيف قبيل الغروب المتأخر – الذي يمتد أحياناً حتى العاشرة ليلاً – قد يظن نفسه في مدينة خليجية لكثرة الزوار القادمين من دول الخليج هرباً من حر الصيف. ومع ذلك، تبقى الجبال السويسرية أكثر سحراً لمن يبحث عن العزلة والسكينة.
في حضن الألب… حيث يبدأ السحر
في منتجع أليتش الجبلي، حيث يُحظر مرور السيارات العاملة بالوقود، عشنا تجربة مختلفة. بعد حفل أقامته هيئة السياحة السويسرية احتفاء بإدراج منطقة أليتش ضمن قائمة التراث الإنساني لدى منظمة اليونسكو، وجدنا أنفسنا وسط الثلوج ليلاً نبحث عن طريق العودة إلى الفندق.
البرودة كانت قاسية رغم أننا في عز الصيف. وفي النهاية، تم نقلنا بعربة كهربائية صغيرة تشبه عربات الغولف، تشق طريقها عبر دروب ضيقة تغمرها السحب. كانت لحظات تختلط فيها رهبة الطبيعة بعظمة المكان.
فالجبال هنا ليست مجرد تضاريس؛ إنها سر الثروة السويسرية. أكثر من 70% من مساحة البلاد جبلية، ومع ذلك نجح السويسريون في تحويل هذه الطبيعة القاسية إلى مصدر جمال واقتصاد مستدام. لا صخب، لا نوادٍ ليلية، بل شلالات تتدفق من ذوبان الثلوج، وجداول موسيقية تعزف سيمفونية الطبيعة الخالدة.
لوزان… العاصمة الأولمبية
لوزان مدينة تنبض بالرقة والجمال، تتربع على تلال مطلة على بحيرة ليمان، وتُعرف في الأوساط السويسرية بـ“المدينة الأولمبية”، إذ تستضيف مقر اللجنة الأولمبية الدولية منذ عام 1915.
أبرز معالمها المتحف الأولمبي، الذي افتُتح رسمياً في 23 يونيو 1993 بمبادرة من قادة الحركة الأولمبية، ومن بينهم خوان أنطونيو سمارانش. المبنى الزجاجي الأبيض المطل على البحيرة يبدو من الخارج بسيطاً، لكنه من الداخل تحفة معمارية تمتد على خمسة طوابق، توثق تاريخ الألعاب الأولمبية منذ نشأتها في اليونان القديمة حتى العصر الحديث.
في قاعاته، يمكن للزائر أن يتتبع مسيرة أبطال مثل كارل لويس و**ناديا كومانيتشي**، وأن يشاهد مقتنيات نادرة، من بينها حذاء الجري الذي سجل به لويس أرقامه القياسية، ونماذج للشعلة الأولمبية تعود إلى قرون بعيدة.
كما يضم المتحف آلاف الوثائق والطوابع والعملات التذكارية، وصورة ضخمة لـ بيير دي كوبرتان، مؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة ورئيس اللجنة الأولمبية الدولية بين عامي 1896 و1925.
حين تتقاطع الرياضة مع السياسة
لا يكتفي المتحف بسرد الإنجازات الرياضية، بل يكشف أيضاً كيف تأثرت الألعاب الأولمبية بالتجاذبات السياسية، من مقاطعات الحرب الباردة إلى أولمبياد برلين في عهد هتلر.
غير أن أكثر ما يثير الجدل هو النصب التذكاري المقام لضحايا عملية ميونيخ عام 1972، حيث خُلد الرياضيون الإسرائيليون الذين قُتلوا خلال الهجوم على القرية الأولمبية. ويرى بعض الزوار أن هذا التكريم، رغم طابعه الإنساني، يفتح باب النقاش حول انتقائية الذاكرة الرياضية، في ظل غياب إشارات إلى ضحايا صراعات أخرى.
هنا، تتبدى حقيقة أن الرياضة – مهما حاولت الابتعاد – تظل متأثرة بالسياسة وسياقاتها الدولية، وأن الأولمبياد الذي وُلد ليكون جسراً بين الشعوب، لا يستطيع الانفصال تماماً عن صراعات العالم.
بين جنيف التي يتركها أهلها صيفاً للزوار، وجبال الألب التي تمنح سويسرا روحها، ولوزان التي تختزل تاريخ الرياضة العالمية، تتشكل صورة بلد صغير بحجمه، واسع بأفقه الثقافي والإنساني.
سويسرا هنا ليست مجرد طبيعة خلابة، بل مساحة تلتقي فيها السياحة بالهوية، والرياضة بالسياسة، والهدوء بأسئلة المستقبل.





