جنيف – د. جمال المجايدة :
عندما يزور المرء مدن سويسرا الكبرى – جنيف، بيرن، زيوريخ، ولوزان – يلمس حالة من الترقب تسود الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية. كان السويسريون يستعدون لخطوة تاريخية تمثلت في الانضمام إلى الأمم المتحدة عام 2002، بعد عقود طويلة من التمسك الصارم بمبدأ الحياد.
هذا الحياد الذي حمى البلاد من ويلات الحربين العالميتين، وكرّس صورة الدولة الصغيرة المستقرة وسط أوروبا المضطربة، أصبح فجأة موضع نقاش حاد.
هل الانضمام خروج عن الإرث التاريخي؟ أم ضرورة تفرضها العولمة وتوازنات الاقتصاد الدولي؟
السويسريون، المنحدرون من جذور ألمانية وفرنسية وإيطالية، لطالما تجنبوا الأحلاف السياسية الكبرى، ورفضوا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي حفاظاً على خصوصيتهم. غير أن التحولات الاقتصادية دفعتهم إلى مراجعة حساباتهم، خشية التهميش في عالم لا يعترف بالعزلة.
جنيف: مدينة الدبلوماسية الصامتة
جنيف، المدينة التي تستضيف مقار دولية كبرى، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تأسست عام 1863، تبدو للزائر هادئة ظاهرياً، لكنها تعيش حواراً داخلياً عميقاً حول المستقبل.
يفتخر السويسريون بأن دولتهم الحديثة تأسست عام 1848، وأن اتحادهم يعود إلى 1291، وأنهم حافظوا على حيادهم لأكثر من سبعة قرون. لذلك لم يكن التصويت لصالح الانضمام إلى الأمم المتحدة قراراً سهلاً، رغم موافقة الأغلبية.
في لقاءات مع مثقفين ودبلوماسيين متقاعدين في زيوريخ ولوزان، تكررت المخاوف ذاتها:
هل ستفقد سويسرا ملامحها الثقافية؟
هل ستتحول من وسيط إنساني إلى طرف في نزاعات دولية؟
فالبلد الذي أسس الصليب الأحمر، وكرّس نفسه للعمل الإنساني، لا يريد أن يُجرّ إلى صراعات تتناقض مع صورته التاريخية.
النظام السياسي: رئاسة بلا مظاهر
من أبرز ما يثير إعجاب الزائر أن رئيس سويسرا يتغير سنوياً، ويعيش حياة عادية بعيداً عن مظاهر الحراسة والبروتوكول المبالغ فيه. هذا النموذج يعكس استقرار النظام السياسي، ويحد من تضخم السلطة، ويعزز ثقافة تداول المسؤولية.
الرئيس هنا ليس “حاكماً” بل موظفاً عاماً لفترة محدودة. فلسفة سياسية نادرة في عالم يموج بالصراعات على السلطة.
من جنيف إلى لوزان: بين البحيرة والجبال
الرحلة بالقطار من جنيف إلى لوزان لا تستغرق سوى 45 دقيقة، لكنها تكشف جمالاً طبيعياً يخطف الأنفاس. حقول العنب في لافو، البحيرات الزرقاء، والجبال الألبية الشاهقة، كلها تشكل لوحة بانورامية مدهشة.
ورغم أن جنيف تمتلئ صيفاً بالسياح العرب والخليجيين، فإن كثيراً من السويسريين يفضلون الهروب إلى المنتجعات الجبلية مثل زيرمات، بحثاً عن هدوء افتقدوه في مدنهم.
الجبال هنا ليست مجرد طبيعة؛ إنها مصدر هوية وثروة. أكثر من 70% من مساحة البلاد جبلية، ومع ذلك نجح السويسريون في تحويل التضاريس القاسية إلى عنصر جذب سياحي واقتصادي.
لوزان… المدينة الأولمبية
تُعرف لوزان بأنها “العاصمة الأولمبية”، إذ تستضيف مقر اللجنة الأولمبية الدولية منذ عام 1915.
المتحف الأولمبي، الذي افتُتح عام 1993، تحفة معمارية تطل على بحيرة ليمان. داخله تتجسد مسيرة الألعاب الأولمبية منذ العصر اليوناني حتى اليوم، مع مقتنيات نادرة ووثائق تاريخية تؤرخ لتحولات الرياضة والسياسة معاً.
هنا يدرك الزائر كيف تأثرت الألعاب الأولمبية بالحرب الباردة، وكيف تحولت الرياضة أحياناً إلى ساحة صراع رمزي بين القوى الكبرى.
داخل النفق: حين تتعطل الدقة السويسرية
في طريق العودة إلى زيوريخ، توقّف القطار داخل نفق جبلي بسبب عطل كهربائي مفاجئ. ثلاث ساعات من الانتظار في ظلام النفق كانت كافية لطرح سؤال بسيط:
هل يمكن أن تخطئ “الآلة السويسرية”؟
رغم إدارة الموقف بهدوء، كشف الحادث أن الكمال ليس مطلقاً، حتى في بلد يشتهر بالدقة والانضباط.
زيوريخ: المال والتاريخ
زيوريخ، عاصمة المال والأعمال، تجمع بين التاريخ العريق والمصارف الكبرى. في أحد أحيائها القديمة لوحة تشير إلى إقامة فلاديمير لينين هنا بين عامي 1916 و1917 قبل عودته إلى روسيا.
المدينة تحافظ على طابعها التاريخي بقوانين تمنع البناء المرتفع، فيما تمتد أجزاء كثيرة من مبانيها إلى طوابق تحت الأرض.
وفي مطاعمها التقليدية، يقدم طبق “الفوندو” الشهير، حيث يتحول الطعام إلى طقس اجتماعي له قواعده الخاصة.
الهجرة والقلق الاجتماعي
رغم الرفاهية الواضحة وارتفاع الدخل الفردي، يعبّر بعض السويسريين عن قلق متزايد من تدفق اللاجئين والمهاجرين. فالدستور يكرّس تقاليد إنسانية راسخة في استقبال المضطهدين، لكن التغيرات الديموغرافية تثير تساؤلات حول الهوية والاستقرار الاجتماعي.
المفارقة أن سويسرا، التي تبدو غنية للغاية، يصر بعض مواطنيها على وصفها بأنها “بلد فقير بلا موارد طبيعية سوى المياه”، بينما تستضيف بنوكها ثروات عالمية ضخمة.
سويسرا ليست مجرد بحيرات وجبال وشوكولاتة.
إنها تجربة سياسية واجتماعية فريدة، تعيش بين إرث الحياد وضغوط العولمة، بين الانغلاق الحذر والانفتاح الاقتصادي، وبين الثقة بالنفس والخوف من المستقبل.




