إعداد: آيريس ميديا
ستتحوّل عاصمة روسيا الشمالية، سانت بطرسبرغ، في عام 2026 إلى مركز جذب رئيسي لعشاق الفن والثقافة، بعد أن تم اعتماد تنظيم “عام الثقافة البطرسبورغية” رسميا.
يهدف هذا المشروع الضخم، الذي يضمّ أكثر من 150 فعالية، إلى إبراز فرادة التراث الثقافي للمدينة الواقعة على نهر نيفا، وتقديم أفضل تقاليدها إلى العالم.
انطلق العام الثقافي باحتفال رسمي كبير يتزامن مع “يوم العاملين في الثقافة” في 25 مارس 2026، حيث تمّ تكريم نخبة من الفنانين والمبدعين، إلى جانب إقامة حفل موسيقي احتفالي في قاعة “أكتوبر” الكبرى. وقد جاء قرار إعلان عام 2026 عاماً للثقافة البطرسبورغية خلال اجتماع مجلس الثقافة والفنون التابع لحاكم المدينة، والذي عُقد في قاعة الحفلات المُجددة بمسرح شاليابين الموسيقي، وهو مبنى تاريخي صمّمه المعماري الإيطالي الشهير جياكومو كوارينغي، ورُمّم ليصبح فضاءً عصرياً يتمتّع بخصائص صوتية مميزة.
احتفالات متواصلة
تشمل الفعاليات المقرّرة برنامجاً واسعاً ومتنوّعاً، يمتدّ من المعارض الكبرى والجولات الفنية إلى مشاريع تطوير البنية التحتية الثقافية. وقد خصّصت السلطات نحو 35 مليار روبل لدعم المؤسسات الثقافية، وتحديث مرافقها، وتعزيز التعليم الفني، إلى جانب الحفاظ على التراث المادي والروحي.
ويحفل العام بعدد من المناسبات البارزة، من بينها الاحتفال بمرور 120 عاماً على ميلاد كلٍّ من عالم اللغة والأدب ديمتري ليخاتشوف، والمؤلف الموسيقي العظيم ديمتري شوستاكوفيتش، إضافة إلى الذكرى الـ150 لتأسيس اتحاد المسرحيين في روسيا، والذكرى الـ35 لاستعادة المدينة اسمها التاريخي. كما ستحتفل مؤسسات فنية عريقة بمناسباتها الخاصة، مثل مسرح-مهرجان “البيت البلطيقي” (90 عاماً)، والمسرح الكبير للدمى (95 عاماً)، و”بطرسبورغ-كونسيرت” (95 عاماً).
أما على صعيد المتاحف، فقد أعدّ متحف الأرميتاج برنامجاً غنياً يتضمّن معارض مثل “كاترينا الأولى” و”إنجازات العمل الخيري المستنير”. كما ستُقام معارض في “المانيج” احتفاء بذكرى اتحاد المسرحيين، بينما سيحتفل متحف “بيترغوف” بمرور 200 عاماً على حديقة “ألكسندريا”. وسيعرض قصر غاتشينا معرضًا خاصًا بمناسبة مرور 50 عاماً على ترميمه، في حين يقدّم المتحف الروسي معارض مكرّسة لأعمال الفنانين إيفان شيشكين وإيفان آيفازوفسكي، إضافة إلى معرض بعنوان “العظيمة” حول صورة المرأة في الفن الروسي.
مشاريع احتفالية استثنائية
ومن أبرز المشاريع المرتقبة إنشاء مجمع موسيقي جديد على ضفاف نهر فونتانكا، حيث ستُحوّل ثكنات تاريخية إلى مقرٍّ لأربع أوركسترات كانت تفتقر إلى مسارح دائمة، من بينها أوركسترا فاسيلي أندرييف. كما ستتواصل أعمال الترميم والتحديث، بما في ذلك تطوير متحف فنون سان بطرسبورغ للقرنين العشرين والحادي والعشرين، ومنح مسرح “درام.بلوشادكا” مقراً دائماً في مبنى أثري صمّمه المعماري فيودور ليدفال. كما تستمر جهود إحياء استوديو “لينفيلم” السينمائي وتوسيع متحف الدفاع وحصار لينينغراد.
وسيكون للتبادل الثقافي الدولي حضور لافت، إذ ستزور فرقة مسرح ماريوبول الدرامي المدينة لأول مرة منذ 40 عاماً لتقديم عروضها على مسرح كوميسارجيفسكايا، في حين ستقدّم فرق من مسارح بطرسبورغ عروضاً في ماريوبول. كما سيُعزّز التعاون بين مسرح ميخايلوفسكي ومسرح سيفاستوبول للأوبرا والباليه. وعلى الصعيد الدولي، ستُعرض أعمال مسرح الكوميديا الموسيقية في المجر، بينما يقدّم مسرح باليه ليونيد ياكوبسون عرض “بحيرة البجع” في الصين، وتقام عروض لمسرح “سان بطرسبورغ أوبرا” في صربيا.
كما تشمل الفعاليات مهرجانات جماهيرية مثل “الباقة الإمبراطورية” في بافلوفسك، ومهرجان الزهور (التوليب) في جزيرة ييلاغين، إضافة إلى مشاريع فنية مثل “الشرفات الراقصة” و”ستيريو ليتو” و”جسور لينينغراد”.
وسيُختتم العام بعرض ضخم متعدّد الوسائط في ساحة القصر، مخصّص ليوم الأرميتاج والاحتفاء بالثقافة البطرسبورغية.
مدينة التنوّع الثقافي والتاريخي الغني
تجدر الإشارة إلى أن سان بطرسبورغ تعدّ مهد الباليه الروسي، حيث تعود بدايات هذا الفن إلى عام 1738 مع تأسيس مدرسة الرقص الإمبراطورية على يد المعلم الفرنسي جان-باتيست لانديه، والتي أصبحت لاحقاً أكاديمية فاغانوفا الشهيرة. ولا تقتصر أهمية المدينة على فنونها، فهي تُعرف أيضاً بأنها “متحف مفتوح” بفضل معالمها المعمارية الفريدة، وجسورها المتحرّكة التي تُعد من رموزها، كما يشتهر متحف الأرميتاج بقططه التي تحرس مقتنياته منذ قرون.
إلى جانب ذلك، تشكّل المدينة فضاء أدبياً غنياً ارتبط بأسماء كبار الأدباء مثل ألكسندر بوشكين وفيودور دوستويفسكي ونيكولاي غوغول وآنا أخماتوفا وألكسندر بلوك. ويمكن للزائر أن يشاهد فيها أحد أصغر التماثيل في روسيا-“تشيجيك-بيجيك”، وأغربها- “أنف الرائد كوفاليوف”، المستوحى من قصة غوغول.
بهذا التنوّع الثقافي والتاريخي الغني، تواصل سانت بطرسبرغ ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم العواصم الثقافية في العالم، ووجهة رئيسية للفنون والإبداع.







