بافاريا – د.جمال المجايدة :
في إحدى القرى الهادئة في ولاية بافاريا الألمانية، حيث تمتزج الغابات الكثيفة برائحة المطر والبيوت الحجرية القديمة، قادتني رحلتي إلى منزل استثنائي لرجل استثنائي.
لم يكن مجرد طبيب متقاعد أو قس سابق، بل قصة إنسان هزّته الأسئلة الكبرى، فاختار أن يعيد تعريف رسالته في الحياة:
الدكتور رايساخ (Dr. Reisach)… القس الذي غادر الفاتيكان، ليعود إلى الطب، لا هروبًا من الإيمان، بل بحثًا أعمق عنه. خلال جولتي في المنزل الذي يشبه القلعة الصغيرة الجميلة تناولت الغذاء برفقة اسرته وزوجته التي تعرف اليها في المستشفى وهى من الفلبين .
منزل يشبه سيرة صاحبه
يقع منزل الدكتور رايساخ على أطراف قرية صغيرة تحيط بها المروج الخضراء. واجهته بسيطة، بلا صلبان فخمة أو رموز دينية، لكنها تحمل في تفاصيلها دفء إنسان عاش بين عالمين.
في الداخل، تمتزج الكتب الطبية القديمة مع نصوص لاهوتية، ولوحات زيتية ترسم الإنسان في لحظات ضعف وتأمل.
كل زاوية تحكي قصة صراع داخلي بين الروح والجسد، بين الطاعة والتساؤل، بين الإيمان والعلم.
من الفاتيكان إلى قرار الرحيل
ولد رايساخ في عائلة كاثوليكية محافظة، وسلك طريق الكهنوت منذ شبابه. خدم لسنوات داخل مؤسسات دينية كبرى، وكان قريبًا من دوائر القرار في الكنيسة.
لكن، كما قال لي بهدوء:
“كنت أصلي للناس… لكني أردت أن أداويهم أيضًا.”
داخل أروقة الفاتيكان، بدأ يشعر بأن الروح وحدها لا تكفي، وأن الألم الإنساني يحتاج إلى يد تعالج، لا إلى كلمات فقط.
تراكمت الأسئلة:
هل يكفي الوعظ أمام مرضٍ ينهش الجسد؟
وهل الإيمان يتعارض مع العلم؟
في لحظة شجاعة نادرة، اتخذ قراره الأصعب:
ترك الرداء الكهنوتي، وغادر المؤسسة الدينية رغم انه كان يحمل درجة الدكتوراه في علم الكهنوت من جامعة روما ، ليعود طالبًا في كلية الطب، رغم عمره وتاريخه ومكانته.
الطبيب الذي يحمل قلب قس
لم يكن طريقه سهلاً. واجه هجومًا دينيًا، وتشكيكًا اجتماعيًا، وعزلة مؤلمة.
لكن رايساخ وجد في الطب امتدادًا لرسالته القديمة، لا نقيضًا لها.
قال لي وهو يشير إلى أدواته الطبية:
“هنا أستطيع أن أقترب من الإنسان كما هو… ضعيفًا، خائفًا، محتاجًا. هذا هو الإيمان الحقيقي.” هنا اردت ان أعيش كباقي البشر واكون اسرتي واشق طريقي نحو المستقبل المهني الذي كان ينتظرني !
عالج الفقراء قبل الأغنياء، وفتح عياداته لمن لا يملكون ثمن الدواء.
لم يسعَ للشهرة، بل للاطمئنان الداخلي ونجح في تأسيس مركز. Reisach-Clinics
الطبي .
تأمل شخصي: عندما تصبح الرحلة داخل الإنسان
خروجي من منزل الدكتور رايساخ لم يكن كأي زيارة.
شعرت أنني لم أزر رجلًا فقط، بل فكرة كاملة عن معنى الاختيار والشجاعة.
في عالم يُطالبك بالثبات، علّمني رايساخ أن التغيير قد يكون أصدق أشكال الإيمان.
وأن العودة إلى الذات أحيانًا أصعب من السفر إلى أقصى بقاع الأرض.
د. رايساخ ليس قصة هروب من الدين، بل قصة إنسان أعاد تعريفه…
من المذبح إلى المستشفى،
ومن الطقوس إلى الجرح،
اختار أن يخدم الإنسان حيث يتألم أكثر.
في ختام الزيارة اصر هذا الطبيب الكهل والقس السابق ان يوصلني بسيارته الى مدينة ميونيخ حيث كنت اقيم رغم الحاحي الشديد بامكانية العودة بالقطار !












