بكين – د.جمال المجايدة :
خلال رحلتي إلى بكين، اخترت أن أغادر مسارات السياحة المعتادة، لأغوص في تجربة ثقافية وروحية مختلفة: زيارة المساجد والمراكز الاجتماعية للجالية الإسلامية، حيث تمتزج الحياة اليومية بالتراث الديني، وتتكلم جدران المباني عن تاريخ طويل من التفاعل بين الثقافة الصينية والإسلامية.
مساجد تاريخية وروحانية
كانت أولى محطاتي مسجد نيانزويتشنغ (Niujie Mosque)، أقدم مسجد في بكين، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام. لم يكن جماله المعماري وحده ما يدهشني، بل الهدوء والسكينة اللذان يخيّمان على ساحاته وحدائقه الصغيرة، رغم ازدحام المدينة من حوله. أثناء الجولة، التقيت بـ”أحمد”، إمام المسجد، الذي روي لي قصصًا عن العائلات التي حافظت على الصلاة في هذا المكان عبر الأجيال، وكيف أصبحت المساجد ليست مجرد أماكن للعبادة، بل مراكز للتعليم والتواصل الاجتماعي.
مراكز اجتماعية وثقافية
زرت أيضًا مركز الجالية الإسلامية في حي هوتونغ التقليدي، حيث يتم تنظيم دورات تعليمية للأطفال والكبار، وفعاليات ثقافية لتعريف الجيل الجديد بتاريخهم وتراثهم. قابلت هناك “ليلى”، إحدى المعلمات، التي تحدثت عن سعادتها في تعليم الأطفال القرآن واللغة العربية، وعن الفخر الذي يشعر به المجتمع عند زيارة السياح للمركز للتعرف على ثقافتهم. كان حديثها يحمل دفئًا إنسانيًا أعطى للمكان حياة إضافية، وجعلني أشعر أنني جزء من هذه التجربة الثقافية.
المطبخ الحلال
ولم تكتمل الرحلة بدون تجربة الطعام الحلال، حيث تناولت وجبة في مطعم صغير تابع للمركز. جلست مع “محمد”، صاحب المطعم، الذي قدم لي أطباقه الخاصة: اللحم المشوي على الفحم، نودلز بالبهارات الصينية التقليدية، وفطائر محشوة باللحم والخضار. كان يحدثني عن وصفاته التي توارثها من والده، وعن التحديات التي واجهها في الحفاظ على المطبخ الحلال وسط المدينة الصاخبة. كل لقمة كانت حكاية، وكل طبق يروي جزءًا من تاريخ الجالية.
حكايات الجالية عبر الزمن
ما يميز هذه الزيارة هو القصص الحية التي يرويها السكان، عن صمودهم وتكيفهم مع الحياة في بكين عبر القرون، وعن دورهم في المجتمع الصيني الحديث. التقيت بـ”يوسف”، شاب من الجيل الثالث لعائلة مسلمة في بكين، الذي تحدث عن شعوره بالانتماء المزدوج، وعن افتخاره بالاحتفاظ بالتراث والدين وسط مجتمع متغير. لحظات مثل هذه جعلتني أعي أن زيارة هذه المراكز ليست مجرد جولة سياحية، بل نافذة على حياة الناس اليومية وتجاربهم الشخصية.
خلاصة الرحلة
زيارة مراكز الجالية الإسلامية في بكين تمثل تجربة متكاملة بين التاريخ، العمارة، التعليم، والطعام التقليدي، والقصص الإنسانية. هي رحلة لا تقتصر على النظر أو التصوير، بل على التواصل والفهم، وتجعل الزائر يخرج بفهم أعمق للمدينة ولحياة مجتمعها المتنوع، ويترك في قلبه أثرًا شخصيًا لا يُنسى .









