يريفان -د. جمال المجايدة :
في صباح اليوم التالى ركبنا السيارة مع المرشد السياحي الارمني الودود طوروس من شركة ( هلا أرمينيا ) متجهين الى قلب السهول الخضراء جنوب أرمينيا، وعلى مرمى بصر من الحدود مع تركيا، ينتصب دير خور فيراب فوق تلك القمة الجبلية , كتحفة معمارية وروحية، يطل على مشهد أسطوري لجبال آرارات الشامخة. هذا المكان ليس مجرد موقع ديني، بل هو أيقونة تجمع بين التاريخ والإيمان والطبيعة الساحرة.
دير خور فيراب… حيث يلتقي التاريخ بالعقيدة
يرجع تاريخ خور فيراب إلى القرن الرابع الميلادي، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بحكاية القديس غريغوريوس المنوّر، الذي سُجن في بئر عميق داخل الدير لثلاثة عشر عاماً قبل أن يصبح رمزاً لتحول أرمينيا إلى أول دولة تعتمد المسيحية كديانة رسمية في عام 301م. زيارة الدير تمنحك فرصة فريدة للنزول إلى البئر التاريخي الضيق، حيث تتجسد الأساطير أمام عينيك.
المباني الحجرية البسيطة والكنيسة الصغيرة التي تعلو التل تعكس روح التواضع والزهد، بينما تضيف أجراس الدير صوتاً دافئاً ينساب مع نسيم الصباح.
جبل آرارات… الحارس الأسطوري
لكن المشهد الذي يسرق الأنفاس بحق هو جبل آرارات، بقمته المكسوة بالثلوج حتى في شهر اغسطس الاكثر حرارة على الاطلاق ، والذي يظهر في الأفق خلف الدير مباشرة. هذا الجبل الأسطوري، الذي تقول الروايات إنه استقرّت عليه سفينة نوح بعد الطوفان، يضيف إلى المكان هالة من القدسية والغموض.
جلست على سور الدير التاريخي لمتابعة المشهد الذي يتحول في ناظري إلى لوحة فنية؛ الجبل يتلون بدرجات البرتقالي والذهبي، فيما يغلف الصمت السهول الممتدة. لا عجب أن هذا المنظر يُعد من أكثر اللقطات التي اصابتني بالدهشة والذهول .
تجربة لا تُنسى
قلت لعائلة يونانية كانت تزور الدير وشاركتنا في جلسة ودية مع صديقى الدكتور شريف الباسل ( رفيق الرحلة ) والمرشد السياحي طوروس : إن زيارة خور فيراب ليست مجرد جولة سياحية، بل رحلة زمنية وروحية. من السهل الوصول إليه من يريفان في رحلة تستغرق أقل من ساعة بالسيارة، ما يجعله وجهة مثالية لرحلات اليوم الواحد. ويمكن للزائر الجمع بين زيارة الدير واستكشاف القرى القريبة، حيث الضيافة الأرمنية الأصيلة والمأكولات المحلية الغنية بالنكهات. هنا، على تلة خور فيراب، وبين جدران الدير الحجرية وهدوء السهول، وبين ظلال جبل آرارات، تجد نفسك أمام مشهد يختصر أرمينيا كلها: تاريخها العريق، وإيمانها العميق، وجمال طبيعتها الذي لا يزول !














