يريفان – د. جمال المجايدة
عندما أقلعت بنا الطائرة من ابوظبي نحو أرمينيا الأسبوع الماضي، كنت أبحث عن وجهة جديدة تمزج بين عبق التاريخ وروعة الطبيعة البكر. ما لم أكن أتوقعه هو أن أعود محملاً بذكريات لا تُنسى، ومشاهد طبيعية وثقافية ستظل حاضرة في مخيلتي طويلاً.
منذ اللحظة الأولى لوصولي إلى يريفان , حيث كان في انتظاري المرشد السياحي الارمنى طوروس بعقليان من شركة (هلا أرمينيا ) ، شعرت بذلك الدفء الإنساني الذي يميز هذه البلاد. شوارعها الهادئة تتزين بأشجار مورقة، ومبانيها ذات الطراز الكلاسيكي تروي قصص قرن مضى. لكن المغامرة الحقيقية بدأت حين قررت أن أترك العاصمة وأتجه نحو قلب الطبيعة الأرمنية: بحيرة سيفان.
بحيرة سيفان… لؤلؤة القوقاز
الطريق إلى سيفان كان رحلة بحد ذاته، حيث تتبدل المناظر بين التلال الخضراء والقرى الصغيرة التي تفوح منها روائح الخبز الطازج. وعندما ظهرت البحيرة أخيراً أمام عيني، شعرت وكأني أمام لوحة زيتية نابضة بالحياة: مياه زرقاء صافية تعكس السماء، وجبال تحتضنها بهدوء مهيب.
على تلة مرتفعة، يقع دير سيفانافانك، وهو موقع تاريخي يعود إلى القرن التاسع الميلادي. وقفت هناك أتأمل المشهد البانورامي الذي يمتد حتى الأفق، والنسيم العليل يلامس وجهي. في تلك اللحظة، أيقنت أن هذا المكان لا يمنحك مجرد صورة جميلة، بل تجربة روحية عميقة.
وقبل مغادرة البحيرة، تذوقت طبق السمك المحلي المعروف باسم “إيشخان”، المشوي على الطريقة الأرمنية، والذي يتميز بنكهة فريدة بفضل مياه البحيرة النقية. كانت وجبة مثالية في حضن الطبيعة.
ساحة الجمهورية… قلب يريفان النابض
العودة إلى يريفان في المساء كانت موعداً مع الحياة الصاخبة، حيث أخذتني قدماي إلى ساحة الجمهورية، القلب الثقافي والترفيهي للعاصمة. المباني المهيبة ذات الحجر الوردي تلتف حول الساحة في تصميم معماري أنيق، بينما النوافير الموسيقية تقدم عروضاً ساحرة عند غروب الشمس تطرب الجمهور من مختلف الاجناس .
جلست في أحد المقاهي المطلة على الساحة، أحتسي القهوة الأرمنية الثقيلة، وأراقب المشهد: عائلات تتنزه، شباب يلتقطون الصور، وسياح يستمتعون بالعروض المائية التي تتمايل على أنغام الموسيقى الكلاسيكية. كان الجو مزيجاً من الفرح والاحتفاء بالحياة، يختصر روح يريفان في أمسية واحدة.
أرمينيا… أكثر من وجهة ما بين هدوء بحيرة سيفان وبهجة ساحة الجمهورية، أدركت أن أرمينيا ليست مجرد بلد تزوره، بل حكاية تعيشها. إنها مزيج من الطبيعة التي تأسر القلب، والتاريخ الذي يحاكي العقل، والثقافة التي تدغدغ الحواس. رحلتي كانت قصيرة، لكنها تركت أثراً عميقاً، وجعلتني أعد نفسي بالعودة لاستكشاف المزيد من هذه الأرض الساحرة !








