كوبنهاغن – د. جمال المجايدة
في أقصى شمال أوروبا، وتحديدًا في عاصمة الدنمارك كوبنهاغن، كانت لي رحلة صحافية مفعمة بالدهشة والإعجاب، زرت خلالها مدينة طالما حلمت بأن أتجول في أحيائها القديمة التي تشبه قصور العصور الوسطى. كوبنهاغن، أو كما يُطلق عليها بالدنماركية “كوبن هاون” وتعني “الميناء التجاري”، تحتفظ برقي فريد يجمع بين الهدوء، وحب الحياة، وجمال الناس.
المدينة، التي يسكنها نحو 1.2 مليون نسمة، تكاد تخلو من الجريمة، لكنها تنبض بالورد والموسيقى والفن في كل زاوية. في صباح بارد ومشرق، انطلقنا من فندق “راديسون ساس” إلى شاطئ البحر لزيارة تمثال “الحورية الصغيرة”، أشهر معالم المدينة. التمثال الذي نُحت قبل 93 عامًا، استُوحي من قصة الكاتب الدنماركي الشهير هانز كريستيان أندرسون، وتحتفل المدينة سنويًا بهذه المناسبة عبر فعالية مميزة تشارك فيها 93 فتاة يرتدين زي الحوريات ويقفزن إلى المياه. التمثال، المصنوع من الغرانيت، يجتذب آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم لالتقاط الصور التذكارية معه.
الدنمارك.. حيث التاريخ يكتب المجد
تكفي الإشارة إلى أن الدنمارك هي أقدم مملكة في أوروبا لتبدأ الحكاية. فقد شهدت البلاد عصراً ذهبياً خلال النهضة الأوروبية قبل أكثر من خمسة قرون، وهي اليوم دولة حديثة تستثمر في الإنسان والبيئة، وتفخر بثقافتها وهويتها الخاصة.
رغم أن أعلى نقطة فيها لا تتجاوز 171 مترًا، إلا أن الدنمارك دولة مفعمة بالتنوع الجغرافي، تضم شبه جزيرة يوتلاند ومئات الجزر، منها 80 فقط مأهولة بالسكان. وتُعد غرينلاند وجزر فارو جزءًا من المملكة.
تحولت الدنمارك منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية من دولة زراعية إلى صناعية متقدمة، ومع ذلك لا تزال الزراعة تمثل قطاعًا حيويًا، إذ تُستغل نحو 75% من أراضيها زراعيًا. أما السياحة فتلعب دورًا متصاعدًا في دعم الاقتصاد، ويأتي أكثر من نصف السياح من ألمانيا وحدها.
تعتمد البلاد على الطاقة النظيفة، ولديها اكتفاء ذاتي من النفط والغاز وطاقة الرياح، وتُصدر الطاقة إلى الخارج. كما تحتفظ بفائض تجاري سنوي مريح.
شعب مثقف ومتحضر
يصعب تحديد ملامح دقيقة للثقافة الدنماركية، لكنها تحمل طابعًا محافظًا ممزوجًا بروح المرح وحب العمل. يوصف الدنماركيون بأنهم شعب مهذب ومتحضر، وقد أسهموا في مسيرة التقدم العلمي والثقافي الأوروبي.
من أبرز شخصياتها الفيزيائي نيلز بور، الحائز على نوبل في الفيزياء عام 1922، والمبرمج بيارن ستروستروب، مخترع لغة ++C، بالإضافة إلى أعلام الأدب مثل أندرسون وبليكسن، والشاعر هلبورغ.
كما أن مسرحية “هاملت” لشكسبير ارتبطت بقصر كرونبورغ في هيلزينغور، حيث دارت أحداثها. وفي مجال السينما، كانت الدنمارك رابع أكبر منتج عالمي للأفلام في عصر السينما الصامتة، ولا تزال تمتلك حركة سينمائية متطورة.
الرياضة وأسلوب الحياة
يعشق الدنماركيون الرياضة، وخصوصًا كرة القدم والسلة، إلى جانب ألعاب الصالات مثل كرة اليد والريشة، والتي تناسب طبيعة المناخ البارد. ومن اللافت أن غالبية الوزراء والمواطنين يتنقلون بالدراجات الهوائية حفاظًا على البيئة.
كما أن قوانين البلاد تحظر التدخين في الأماكن العامة، وتفرض ضرائب باهظة على التبغ والكحول، في رسالة واضحة لتعزيز الصحة العامة ودعم البحث العلمي.
دار الأوبرا.. أيقونة معمارية
من أبرز معالم العاصمة، دار الأوبرا الحديثة التي افتُتحت عام 2005، على ضفاف البحر، في موقع كان سابقًا منطقة عسكرية. وقد تبرع رجل الأعمال الشهير “موللر” بتكلفة البناء، البالغة نحو 500 مليون دولار، شرط أن يُعهد التصميم إلى المهندس هينينغ لارسن، دون إجراء مسابقة معمارية دولية.
جاء تصميم المبنى بواجهة زجاجية ضخمة تُتيح رؤية بانورامية بزاوية 180 درجة، ليصبح الزوار جزءًا من العرض، في تجربة مسرحية متكاملة لا تقتصر على ما يدور على خشبة المسرح، بل تشمل المشاهدين أنفسهم.
أمام القصر الملكي
خلال زيارتنا إلى مجمع القصور الملكية في “آمالينبورغ”، فوجئنا بالقرب بين العائلة المالكة والشعب. فالملكة تتجول في الحدائق العامة، وتستخدم الدراجة الهوائية في تنقلاتها، ولا يُسمح لأي شخص أو موكب بإغلاق الشوارع، مهما كان منصبه.
الحياة في الدنمارك.. بساطة وكرامة
الدنمارك بلد يحترم الفرد ويقدس القانون، لا ترى فيه مشردين أو متسكعين، ولا تسمع فيه عن جرائم مروعة، بل مجتمع هادئ راقٍ، يقوده أناس مثقفون طيبون ينظرون إلى المستقبل بإيجابية، وإلى الماضي بتواضع وفخر.
في الدنمارك، شعرت طوال الوقت أنني في وطن يحترم الحياة ويصنع حضارته بهدوء، كما يزرع الورد وينثر الموسيقى في دروب المدينة .









