لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تقتصر على تطوير الهواتف وإضافة مزايا جديدة إليها، بل بدأت تضغط على أحد أهم مكوناتها الداخلية، وهو الذاكرة، في أزمة تهدد برفع تكلفة الأجهزة الإلكترونية خلال الفترة المقبلة.
وتشير تقارير قطاع التكنولوجيا إلى أن سوق الذاكرة يواجه نقصًا حادًا ومستمرًا، بعدما ارتفع الطلب على شرائح الذاكرة اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى مستويات غير مسبوقة.
والنتيجة بدأت تظهر في صورة ارتفاع كبير في تكلفة المكونات التي تدخل في صناعة الهواتف والحواسيب وأجهزة الألعاب.
والمشكلة لا تعني أن مراكز البيانات تشتري ببساطة ذاكرة الهواتف نفسها، فهناك أنواع مختلفة من الذاكرة.
وتعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي، خصوصًا وحدات معالجة الرسوميات المستخدمة في مراكز البيانات، على ذاكرة النطاق الترددي العالي HBM، وهي نوع متقدم من DRAM قادر على نقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة كبيرة.
وتتميز هذه الذاكرة بأنها أكثر تعقيدًا في التصنيع وأكثر ربحية للشركات المنتجة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى قدر أكبر من الطاقة الإنتاجية مقارنة بذاكرة DRAM التقليدية المستخدمة في الهواتف والحواسيب.
وبحسب تقديرات شركة Micron التي نقلها موقع “The Verge” فإن إنتاج كمية معينة من HBM يحتاج إلى نحو 3 أضعاف عدد رقائق السيليكون المطلوبة لإنتاج الكمية نفسها من DRAM التقليدية.
3 شركات تسيطر على السوق
وتشير تقديرات Counterpoint إلى أن Samsung وSK Hynix وMicron تستحوذ مجتمعة على نحو 90% من سوق الذاكرة، ما يجعل قرارات هذه الشركات بشأن توزيع طاقتها الإنتاجية مؤثرة بصورة مباشرة في الأسعار العالمية.
ومع استعداد شركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لدفع أسعار أعلى وإبرام عقود طويلة الأجل، يصبح من المنطقي اقتصاديًا بالنسبة لمصنعي الذاكرة إعطاء أولوية لهذه السوق، بدلًا من توجيه كل الطاقة المتاحة إلى الأجهزة الاستهلاكية.
لكن المفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه بدأ يرفع الطلب على الذاكرة التقليدية أيضًا، إذ تحتاج الهواتف والحواسيب التي تشغّل نماذج ذكاء اصطناعي محليًا إلى سعات أكبر من الذاكرة.
أكثر من 300% في عام واحد
وفق تقديرات” Counterpoint “، ارتفع سعر DRAM المستخدم في الهواتف بنحو 56% في الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق، ثم ارتفع بنحو 83% في الربع الثاني.
وبالنسبة إلى هاتف يستخدم 16 جيجابايت من DRAM، ارتفعت التكلفة التقديرية من نحو 42 دولارًا في الربع الثاني من 2025 إلى 181 دولارًا بعد عام واحد، أي زيادة تتجاوز 300%.
وهذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن تكلفة الهاتف النهائية سترتفع بالقيمة نفسها، لكنها تكشف مدى التغير الذي طرأ على تكلفة أحد مكوناته الأساسية.
لماذا لا تستطيع الشركات حل المشكلة سريعًا؟
الحل الواضح هو إنتاج المزيد من الذاكرة، لكن بناء مصانع أشباه الموصلات الجديدة ليس عملية سريعة.
وتستثمر Samsung وSK Hynix وMicron بالفعل في توسيع قدراتها الإنتاجية، إلا أن إنشاء مصانع جديدة وتجهيزها يحتاج إلى سنوات.
وتقدم Micron مثالًا واضحًا على حجم الاستثمار المطلوب؛ فمصنعها الضخم المخطط له في ولاية نيويورك لن يبدأ في تحقيق إنتاج مؤثر قبل 2030، رغم أن أعمال الإنشاء بدأت بالفعل.
وهذا يعني أن زيادة الإنتاج لن تقدم حلًا فوريًا للأزمة، بينما يستمر الطلب على ذاكرة الذكاء الاصطناعي في الارتفاع.
وفي ظل هذه الظروف، تواجه شركات الهواتف معادلة صعبة: إما تحمل جزء أكبر من ارتفاع تكلفة المكونات، أو رفع أسعار الأجهزة، أو تقليل المواصفات أو كميات الإنتاج.
وترصد الصناعة بالفعل اتجاه بعض الشركات نحو تقليل توقعات الشحنات والتركيز أكثر على الأجهزة الأعلى سعرًا، مع إضافة مزايا مثل شاشات OLED وسعات ذاكرة أكبر ووظائف ذكاء اصطناعي يمكن استخدامها لتبرير الأسعار المرتفعة.
ولا تقتصر المشكلة على الهواتف؛ فقد ظهرت زيادات في أسعار أجهزة أخرى، من الحواسيب إلى أجهزة الألعاب وسماعات الواقع الافتراضي، في ظل ارتفاع تكاليف المكونات.
حتى شركة “Framework ” أعلنت في 9 سبتمبر عن خفض مؤقت لأسعار بعض وحدات الذاكرة في حواسيبها بعد حصولها على كمية محدودة من شرائح Micron بسعر أقل، مع إعادة جزء من فارق السعر لبعض العملاء. لكن الشركة أوضحت أن التخفيض مرتبط بمخزون محدود، ما يعكس استمرار اضطراب سوق الذاكرة.
أزمة قد تستمر لسنوات
المشكلة إذن ليست مجرد موجة مؤقتة في أسعار الهواتف، بل نتيجة لتغير هيكلي في سوق أشباه الموصلات: الذكاء الاصطناعي أصبح ينافس الأجهزة الاستهلاكية على الطاقة الإنتاجية نفسها للذاكرة، وفي كثير من الحالات يستطيع دفع أسعار أعلى للحصول عليها.
ومع استمرار بناء مصانع جديدة واستمرار نمو مراكز البيانات، قد يستغرق توازن العرض والطلب وقتًا طويلًا. ولهذا تحذر التقديرات التي نقلتها من أن نقص الذاكرة وارتفاع الأسعار قد يستمران حتى 2027 أو 2028.