صلاح سليمان
باتت البيئة العالمية، ومشاريع أوربا الخضراء في مأزق كبيرمن جراء تداعيات أزمة الحرب الأوكرانية الروسية، فالانقسامات الأوربية حادة، والجهود من أجل إصدار قانون أوروبي ملزم بحماية المناخ وخفض الانبعاثات الغازية بحلول عام 2050 ترواح مكانها وتحيط به الشكوك.
الدولة الخضراء مؤجلة إلي حين!
لن يصدر قانون في ظل هذا الانقسام، وتلك التهديدات الروسية بشن حرب نووية، فالمخاوف الأوربية من ذلك الصدام النووي تجعل الأوربيين بدلا من الاتفاق على قانون للحد من التلوثات المناخية خائفين الآن من صدام نووي قد يودي بحياة الملايين من البشر.
كانت ألمانيا علي سبيل المثال ـ قد قطعت خطوات هائلة في اطارالمحافظة على البيئة انطلاقا من مبادئها التي قطعتها على نفسها بأن تصبح دولة خضراء، لهذا كانت قد استحدثت مفهوم “سياسة البيئة النظيفة” في عام 1994، ومنذ ذلك الوقت وضعت برامج تعمل من خلالها على رفع الوعي لدى الناس، ورفع الكفاءة البيئية المتمثلة في نظافة الهواء والمياه، وجعلهما شرط أساسي ومعيار في رفع مستوى المعيشة لدى المواطنيين .
ينص الدستور الألماني صراحة على أهمية البيئة النظيفة، ومن هذ المنطلق عملت ألمانيا على ذلك بكل جهد، حتى أنها أصبحت رائدة في مجال استخدامات الطاقة البديلة، ونجحت في خفض نسبة انبعاث الغازات العادمة ، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين بشكل كبير.
ألمانيا اعتمدت بشكل كبير على الغاز الروسي
كل هذا النجاح يتبدد الآن في ظل وقف استيراد الغاز والطاقة الروسية، وكانت ميركل في إطار سياستها الرامية إلى التخلي عن المفاعلات النووية نهائيا بحلول عام 2022 بعد حادث مفاعل فوكيشيما في اليابان سنة 2011 قد اعتمدت بشكل كبير على الغاز الروسي، والذي كان أرخص ثمنا من الغاز الطبيعي المسال في أي مكان آخر في العالم مقارنة بالولايات المتحدة، والسعودية، وقطر ـ لهذا تبدو عودة ألمانيا إلى التمديد بعمل بعض المفاعلات النووية للحصول على الكهرباء بمثابة فشل كبير في تأمين احتياجاتها من الغاز أو من الطاقة البديلة في وقت قصير، لأنها كانت مرتاحة لخطوط الغاز الروسية التي تضخ الغاز في أراضيها، ووفق المستشارة فإن روسيا ظلت مصدرا موثقا لا يمكن التشكيك به لإمدادات الطاقة حتى أثناء الحرب الباردة، لهذا تم الاعتماد عليها.
خلاقات حكومية حول العودة للعمل بالمفاعلات النووية
الخلاف الحكومي الألماني حول عودة المفاعلات النووية للعمل يحتدم بين حزب الخضر الذي يوافق على المد لمدة ثلاثة أشهر فقط، أما باقي الأحزاب فتري أن مد العمل بالمفاعلات هو أمر ضروري حتى يتم حل مشكلة الطاقة.
من جهته يري وزير الاقتصاد الألماني، عضو حزب الخضر، روبرت هابيك، إن قرار استمرار الاعتماد على الطاقة النووية لحل الأزمة المتوقعة، يعد قرار خاطئ بالنظر إلى القليل الذي يمكن إنقاذه..وبما أن الكثيرين يعولون داخل ألمانيا على أهمية الطاقة النووية في الوقت الحالي باعتبارها بديلا قد يحل أزمة الغاز التي تواجهها البلاد حالِيا، فإن وزير المالية الألماني، كريستيان ليندنر، يؤيد هو كذلك تمديد العمل بمحطات الطاقة النووية لمدة محدودة، وهو افضل بكثير من إعادة تشغيل محطات الفحم.
الطاقة النووية نظيفة أم ملوثة للبيئة؟
من ناحية أخري هناك خلاف في الأساس حول طاقة المفاعلات النووية وعن ما إذا كانت نظيفة أو ملوثة للبيئة؟
لاشك أن استخدامات المفاعلات النووية ينتج عنه انبعاثات أعلى في نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالطاقة الشمسية، وتتضاعف هذه النسبة في حالة المقارنة بالطاقة المستمدة من الرياح وأعلى بكثير من الطاقة المستمدة من الطاقة المائية.
رغم كل تلك المعوقات الطارئة، فإن خطط الحكومة ما زالت تطمح في التوسع الكبير في المشاريع التي تعتمد مصادرها علي الطاقة المتجددة، والوصول إلى الاعتماد على 80 % منها في سنة 2030.
بالتأكيد كل هذه حلول مؤقتة، وسير في طريق صعب، لآن الرخاء الأوربي يتوقف على الاستقرار ومصلحة أوربا كوحدة واحدة متكاملة، فالطاقة في القارة الأوربية وفيرة وهي تكفي وتفيض، لكن الأطماع السياسية والعداء بين دولها من شأنه أن يقضي علي طموحات الرخاء الأوربي وبالتالي يؤثر في رخاء العالم أجمع.
سيبريا تحتوي على ربع الغاز الأرضي
رغم كل هذا التناحر والانقسام فإن التكامل الأوربي لا مفر منه، لأنه يعني رخاء للجميع أو فوضى ومعاناة أيضا للجميع في حالة الاختلاف، هناك مثلا سيبريا في روسيا بها وحدها ربع الغاز الأرضي كله، لهذا آجلا أو عاجلا ستعود أوربا للتكامل الاقتصادي تحت إلحاح المطالب الشعبية التي قد تتفجر في أي لحظة وترفض تلك السياسة المضطربة التي أضرت بالجميع.
مما لا شك فيه أن ساحل القطب الشمالي المتجمد أيضا به أكبر مخزن يحتوي على الغاز الممتد من بحر الشمال إلى سيبيريا وأميركا الشمالية، كذلك فإن النفط أيضاً موجود بوفرة، ومصادره معروفة الآن، على أطراف القارة القطبية المتجمدة. لهذا فإن خمس دول، تقع على ساحل القطب الشمالي المتجمد، وهي الدنمارك والنرويج وروسيا والولايات المتحدة وكندا، من شأنها ان تغير سياسة الغاز في اوربا وتجعل تدفقه أمن وغزير بفضل التعاون ووضع سياسات استكشاف جيولوجية واسعة لمصادر الطاقة المختلفة تحت سطح الجليد المتجمد في منطقة القطب، وهذ افضل لصالح القارة الأوربية والعالم بدل من الانشغال بالحروب وتردي مستوى الشعوب.
