القاهرة – د.جمال المجايدة :
خلال رحلتي الأخيرة الى مصر , زرت جامعة القاهرة , وأمضيت فيها يوماً كاملاً , حيث رحت اتجول بين اروقتها ومبانيها التاريخية , فهي الزيارة الأولى لهذه الجامعة العريقة منذ ان تخرجت منها عام 1980 .حيث درست الصحافة في كلية الاعلام في الفترة من 1976 الى 1980 وغادرتها متجها الي ابوظبي للعمل في مجال الاعلام والصحافة.
انتمائي لجامعة القاهرة نابع من القلب , ففيها كانت نشأتي الأولى وانفتاحي على الفكر الحر والثقافة والتسامح , وتعلمت فيها انبل الدروس وفهمت معنى الحياة وكيف يمكن ان تكون انسانا حراً كريماً لايعرف الانتماء لفصيل او حزب او جماعة او طائفة , بل الانتماء للوطن والهوية والعقيدة وحب العمل والابداع فيه , فالجامعة بالفعل هي مصنع العقول وهي مصنع الرجال .
خلال تلك السنوات الأربع التي امضيتها في جامعة القاهرة تكونت شخصيتي هناك حيث انتقلت من المراهقة وحب الرسم التشكيلي وفن الخط العربي , الي صناعة الخبر والتحرير الصحافي والبناء المهني , ونسجت شبكة علاقات وصداقات مع الهيئة التدريسية والأكاديمية والطلبة والطالبات لاتزال حية حتى يومنا هذا .
كما كانت الجامعة بمثابة الجسر لي للتدريب في صحيفة الاهرام القاهرية وصحيفة الجمهورية وصحيفة المساء التي كتبت فيها عمودا يوميا بعنوان ” كلام جرايد ” وانا طالب في السنة الثالثة بكلية الاعلام ومجلة روز اليوسف الأسبوعية وغيرها .
خلال فترة التدريب تعرفت على قادة الصحف ورؤسائها وكبار محرريها وصحافيها وغالبيتهم اصبحوا أصدقاء لي لاني كنت اشاركهم العمل في كافة مراحله لغاية طباعة الجريدة فجرا .
لازلت احتفظ بالود والعرفان لكل من علمني في تلك الجامعة العريقة وساهم في خلق شخصيتي الإعلامية وحرضنى على الابداع في العمل الصحافي والإعلامي .
إطلالة على الجامعة
تعد جامعة القاهرة ثاني أقدم الجامعات المصرية بعد الأزهر الشريف، ولم تكن مصر تعرف قبلها نظاما تعليميا منظما سوى الأزهر وبعض المدارس الملحقة بالمساجد، وقد أنشأ حاكم مصر محمد علي باشا بعض المدارس (الكليات) تزامنا مع إرساله البعثات التعليمية للخارج.
لقد تأسيس جامعة القاهرة، في مطلع القرن العشرين، تزامنا مع تطورات سياسية واجتماعية قادها زعماء وقادة رأي وطنيون مصريون، مثل الشيخ محمد عبده ومصطفى كامل ومحمد فريد وقاسم أمين وسعد زغلول. كان الحلم الذي يداعب هؤلاء هو إنشاء جامعة مصرية وطنية، تكون منارة للفكر الحر وأساسا للنهضة العلمية وجسرا يصل البلاد بمنابع العلم الحديث، وبوتقة تعد فيها الكوادر اللازمة في كافة التخصصات لمشاركة العالم في تقدمه العلمي.
عارضت سلطات الاحتلال البريطاني فكرة إنشاء الجامعة الأهلية، ولا سيما المندوب السامي اللورد كرومر الذي لم يرغب في تكوّن طبقة مثقفة مصرية، تؤمن أن الاستقلال ليس فقط تحرير الأرض بل يعني أيضا تحرير الشخصية المصرية.
أطلق الزعيم الوطني مصطفى كامل مبادرة للاكتتاب العام لصالح إنشاء الجامعة، ونشر إعلانا بجريدة الأهرام في أكتوبر/تشرين الأول 1906 يدعو المصريين للوفاء لدَين الوطن وعدم المماطلة فيه، وبالفعل سارع كثيرون للتبرع، وشجع الوطنيون هذا الاكتتاب حتى تجاوزت التبرعات له 4400 جنيه مصري.
افتتحت الجامعة الأهلية في 21 ديسمبر/كانون الأول 1908 في حفل كبير بقاعة مجلس شورى القوانين، بحضور الخديوي عباس الثاني وكبار رجال الدولة وأعيانها، وكان مديرها هو السياسي والكاتب أحمد لطفي السيد الذي اشتهر بلقب “أستاذ الجيل” بينما كان رئيس مجلس إدارتها هو الملك فؤاد الأول.
بدأت الدراسة مباشرة مساء يوم الافتتاح، وكانت المحاضرات تلقى في قاعات متفرقة يعلن عنها في الصحف اليومية مثل قاعة مجلس شورى القوانين ونادي المدارس العليا ودار الجريدة، وظل الأمر كذلك حتى وجدت الجامعة مقرا لها بإيجار سنوي في سراي الخواجة نستور جناكليس الذي يوجد به حاليا مقر الجامعة الأميركية في ميدان التحرير وسط القاهرة.
أرسلت الجامعة طلابها المتفوقين إلى الجامعات الأوروبية للحصول على أعلى الشهادات، ولا سيما إجازة الدكتوراه، حتى يعودوا ويدرسوا الطلاب الجدد العلوم الحديثة، ولتكوين هيئة تدريس للجامعة الوليدة، وكان من بين مبعوثيها الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي. وأنشأت الجامعة كذلك مكتبة ضمّت أهم الكتب التي تم إهداؤها لها من مصر وخارجها.
ووفقا للمؤرخ الراحل يونان لبيب رزق، فقد تم تمويل البعثات الدراسية من التبرعات التي تلقتها الجامعة، وواجهت هذه البعثات صعوبات بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.
ويشير مؤسس متحف القاهرة محمود المناوي إلى أن الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل تبرعت بنحو 700 فدان لصالح الجامعة، كما تبرعت بحليها عندما بلغتها المصاعب المالية التي تواجه الجامعة.
بعد أقل من عقد من النجاح الذي حققته الجامعة الأهلية، فكّرت الحكومة المصرية في تأسيس جامعة حكومية، فشكلت لجنة لتضم المدارس العليا للجامعة مثل مدرستي الحقوق والطب، واندمجت الجامعة الأهلية والحكومية في جامعة جديدة.
وكما نشرت مجلة المصور، فقد كان الملك فؤاد الأول يريد ضم الجامعة والمعاهد والمدارس العليا معا، فعقد مجلس إدارة الجامعة في 12 ديسمبر/كانون الأول 1923 اجتماعا لتسليم جامعة فؤاد الأول إلى وزارة المعارف، وكتب بذلك أحمد لطفي السيد عقدا، نص على أن يكون الدكتور طه حسين أستاذا في الجامعة الجديدة.
في 11 مارس/آذار 1925، أصدرت الحكومة مرسوما بقانون باسم الجامعة المصرية، لتتكون من 4 كليات هي: الآداب والعلوم والطب والحقوق، كما تم ضم كلية الطب مدرسة الصيدلة، وكان رئيس الجامعة هو الكاتب أحمد لطفي السيد. انتقلت الجامعة المصرية إلى مقرها الحالي في منطقة الأورمان بمحافظة الجيزة عام 1928، وهو الموقع الذي حصلت عليه تعويضا عن الأراضي التي تبرّعت بها الأميرة فاطمة بنت الخديوي إسماعيل لمقر الجامعة.




