القاهرة – د.جمال المجايدة :
للقاهرة في عقلي ووجداني مكانة خاصة ففيها عشت اجمل سنوات العمر خلال الدراسة في جامعة القاهرة , وللحق أقول ان القاهرة هي حاضنة التاريخ وهي أم المدن وهي موطن الحضارات الإنسانية , مرت بها اقوام وغزوات وامبراطوريات وممالك وبقيت هي القاهرة التي تقهر الأعداء وتحتضن محبيها !
في كل مرة ازور فيها القاهرة اكتشف مواطن جديدة للجمال والتاريخ والحضارة والفنون والتراث الشعبي ولاازعم انني اعرف القاهرة رغم انني عشت فيها اربع سنين متصلة وزرتها بعد الجامعة عشرات المرات .
انها القاهرة التي تحتضن منطقة الحسين التي تستقطب على مدار الليل والنهار أبناء اقاليم مصر والسياح العرب والاجانب الذين يريدون ان يروا مصر على حقيقتها حيث تحفل منطقة الحسين الاقدم في مصر بأغلب صفات القاهرة،
تضم منطقة الحسين عدة معالم حضارية وأثرية، تؤرخ للحضارة الإسلامية في مصر، في ذلك الحي الذي يشتهر بجوهرته الرئيسة، الأزهر الشريف، ومسجد الحسين في الجهة المقابلة، ومنطقة خان الخليلي.
منطقة الحسين : الف عام من الحضارة
عمر هذه المنطقة قرابة الألف عام، فقد تم بناء مسجد الحسين والمنطقة المحيطة به في عهد الفاطميين عام 549 هجرياً تحديداً. ويتوسط المسجد تلك المنطقة، وهو المسجد المكون من ثلاثة أبواب بالرخام الأبيض إضافة إلى الباب الأخضر. مطلاً على منطقة خان الخليلي، بمئذنته الشهيرة وألوانها الخضراء المميزة التي تجتذب الزائرين.
تعد المنطقة -بما تضمه من آثار من العصر المملوكي والفاطمي والأيوبي والعثماني، مقصداً أساسياً للسائحين والزائرين من داخل وخارج مصر، كما أن لديها مكانة دينية بالنسبة للكثيرين.
ويجري حاليا ترميم المباني الأثرية بمنطقة الحسين، والتي بلغ عددها نحو 110 مبانٍ من مختلف العصور والحقب التاريخية.
بنهاية شارع الصاغة يكون الزائر عند بداية واحد من أشهر الشوارع في منطقة الحسين، وهو شارع المعز لدين الله الفاطمي، والذي يمتاز بمبانيه العتيقة الشاهدة على تاريخ القاهرة القديمة وتفاصيل الحياة فيها، والتي تمثل تحفاً فنية فريدة تستقطب الزائرين من كل مكان، ويضم محال مختلفة للنحاس والملابس التقليدية والمشغولات اليدوية، فضلاً عن منصات ثقافية مختلفة، مثل بيت السحيمي، وكذلك مدرسة النحاسين الشهيرة، ومسجد المعز، ومسجد الأقمر وسبيله، وكذلك مسجد الغوري والسلطان قلاوون. وفي نهاية الشارع باب النصر، وهو بوابة عبور الجيش عند عودته من المعارك الخارجية.
منطقة الحسين ملخص لحياة القاهريين الاصليين، فحولها تلتف مباني القاهرة القديمة، الازهر، الغورية، الجمالية، الباطنية، الدرب الاحمر، المجاورين، الحرنفش، الحسينية، الدراسة، حديقة الخالدين، الظاهر، باب الخلق، القلعة، فاطمة النبوية، وغيرها.
يعتبر حي الحسين , اشهر حي شعبي في مصر تزدحم فيه المتناقضات، الاغنياء بجانب الفقراء، المتسولون بجانب رجال الأعمال، اللصوص بجوار رجال الشرطة الذين يزحمون المكان، العرب والعجم ، العقلاء والمجانين، والكل يطمح ان يعود قليلا الى الوراء ليشم عبق التاريخ، تمر الاعوام، وتتبدل الملامح، وتجتاح العولمة كل اخضر نقي، لكن يبقى حي الحسين محتفظا بجماله ورونقه وتاريخه .
وليل الحسين يختلف عن نهاره اذ بداية من التاسعة ليلا يبدأ التدفق على الحي من مصريين وعرب واجانب، فرادى وجماعات واسر، اغنياء وفقراء والكل يطمع لقضاء سهرة سعيدة ، ولعل أشهر ملامح هذه السهرات التي تمتد عادة لصلاة الفجر حين يفتح مسجد الحسين ابوابه هم المطربون المتجولون حيث يحمل كل واحد عودا ويحفظ اغاني الكثير من أم كلثوم وعبد الوهاب ويعرض اغانيه لمن يريد ان يسمع مقابل ثلاثين جنيها أو اكثر.
مسجد الحسين :
اشهر مساجد القاهرة الفاطمية وهما مسجدا الحسين والازهر، ويتميز مسجد الحسين بحضور بهي لاصحاب الطرق الصوفية، وتوجد ساحة واسعة امام المسجد تسمى بالمشهد الحسيني تتوسطها حديقة صغيرة يحيط بها باعة الكتب الدينية وباعة المسابح بالاضافة الى المتسولين الذين يبتكرون اشكالا مختلفة لاقناع قاصدي المسجد والمنطقة، كما تنتشر حول ابواب المسجد الاربعة العديد من الدكاكين التي تبيع العطور والنارجيلات والبخور والاعواد الموسيقية بالاضافة الى المطاعم والمقاهي التي تنتشر بكثرة.
وقد اكتسبت المنطقة خصوصيتها من أن مسجد الحسين يضم رأس الحسين حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاضافة الى بعض مقتنيات الرسول، والذي يقصده المئات يوميا ليس من أبناء القاهرة فحسب، بل من جميع اقاليم مصر، من الطامعين في شفاء ابنائهم، أو قبول دعواتهم أو قضاء حوائجهم أو وفاء بالنذور.
الجامع الازهر :
ويشارك مسجد الحسين شهرته، الجامع الازهر الذي يعد عمره من عمر القاهرة الفاطمية، حيث امر المعز لدين الله الفاطمي قائد جوهر الصقلي حين دخوله غازيا مصر ببناء مسجد ينشر تعاليم الدين، ويكون جامعا وجامعة معا لنشر المذهب الشيعي، ويشعر المرء داخل الجامع الازهر كأنه ينتقل الف عام الى الوراء ـ وهي عمر المسجد ـ حيث تنتشر الزخارف القديمة والابواب والاروقة التي كانت مأوى لطلبة العلم المغتربين ومازالت باقية حتى الآن ويبلغ عددها 29 رواقا، 14 حارة، واشهرها رواق الصعايدة ورواق الاتراك ورواق الشوام ورواق الهنود وغيرها، وقد امتلأت هذه الاروقة جميعا بحجرات لسكن الطلبة المغتربين ودواليب يحفظون فيها اشياءهم.
مقهى الفيشاوي
اشهر المقاهي في منطقة الحسين هو مقهى الفيشاوي وقد اكتسب شهرته من أنه كان مكان التقاء الروائي المصري نجيب محفوظ بالمثقفين والفنانين كمحمود السعدني واحمد مظهر، ويعود عمر المقهى الى 150 عاما سابقة ومازال محتفظا بطابعه القديم وتحتفظ نوافذه وبعض ابوابه القديمة بنقوشها الاصلية، كما يشارك المقهى شهرته مقهى ولي النعم بالاضافة الى مقهى السكرية ومقهى خان الخليلي والعديد والكثير من المقاهي التي تلتف حول المنطقة وتشهد زحاما كبيرا رغم ارتفاع اسعارها.
آثار تاريخية
يضم حي الحسين ايضا العديد من المساجد مثل مسجدي الحاكم بأمر الله في شارع المعز لدين الله في منطقة الصاغة والنحاسية والاقمر الذي انشىء عام 1125، ومسجد الغوري الذي يقع في اول منطقة الغورية بجوار وكالة الغوري ايضا.
خان الخليلي اشهر شوارع القاهرة عند الاجانب، ويعود تاريخه الى العصر المملوكي، وقد انشأه الامير جهاد الخليلي احد امراء السلطان برقوق، ويشتهر الخان بالصناعات الحرفية الاسلامية كصناعة النحاس والفضيات والمجوهرات، وفي مواجهة خان الخليلي من الناحية الاخرى تقع مكتبات الحسين الشهيرة التي تبيع الكتب التراثية في صف طويل بجوار بعضها البعض ولعل اشهرها المكتبة التراثية والمكتبة الاسلامية ومكتبة الحسين وهي الوحيدة التي تبيع الكتب الحديثة، وتتبع الهيئة المصرية العامة للكتاب وتقع امام الباب الاخضر لمسجد الحسين.


