صلاح سليمان
العالم كله يعرف اتفاقية “شنجن” التي سمحت بإزالة الحدود، والتجول الحر بين مجموعة دول الاتحاد الاوربي، لكنه لا يعرف قرية “شنجن” التي اطلق اسمها علي الاتفاقية التي دخلت التاريخ، وأصبح من حق حامل تأشيرتها من الدول الأخرى التجول بين دول الاتحاد الأوربي دون الحاجة للحصول على تأشيرة كل دولة على حدة.
“شنجن” الاتفاقية اكثر شهرة من “شنجن “القرية، لكن براعة أهل السياحة في دوقية لوكسمبورج الصغيرة استطاعت تحويل هذه القرية التي لا يزيد عدد سكانها علي 1725 نسمة إلى متحف مفتوح يزوره كل المهتمين والباحثين بفكرة الاتحاد الأوروبي في الوحدة وإزالة الحدود، بل سلطت أيضا انتباههم إلى طبيعة القرية الجميلة ومزارع الكروم والرحلات النهرية.
عندما وقفنا علي شاطئ نهر “موزل” في القرية، أشارت السيدة “مارتينا كنايب” مديرة السياحة في “شنجن” إلى أن النهر يشكل الخط الحدودي مع ألمانيا في الجنوب الشرقي، وقالت: إن كثير من أهالي لوكسمبورج يعيشون في الجانب الألماني نظرا لتوافر السكن، ويأتون يوميا للعمل هنا والعودة في المساء.
القرية تأخذ شكل مثلث حدوي بين لوكسمبورج وألمانيا وفرنسا، فإذا اتجهت سيرا علي الأقدام إلى الجنوب بعد 100 متر تكون في فرنسا، أو تعبر الجسر علي نهر الموزل فتكون في المانيا.
موقع مثالي ورائع بين ثلاث دول، ولا عجب هنا أن ترى الناس يتحدثون الألمانية والفرنسية واللغة اللوكسمبورجية التي هي خليط بين اللغتين واحيانا أيضا يتحدثون الهولندية، أنهم أكثر الناس ثراءً في اللغة . لا تستطيع وانت تتجول في القرية أن تفصل السياسة عن الطبيعة السياحية الجميلة، فعند النظر إلى منحدرات مزارع الكروم المتدرجة علي هضاب القرية يتقاطع النظر مع مشاهد متحف “شنجن” الذي تم تشيده في سنة 2010 بمناسبة مرور 25 عام علي الاتفاقية، أيضا النصب التذكاري لثلاثة أبراج عليها نجوم كل واحدة يمثل دول من دول الاتحاد الأوروبي.
متحف “شنجن”، ومركز المعلومات فيه مهم لكل المهتمين بتاريخ الوحدة الأوروبية، ففيه يمكن للزائر أن يأخذ فكرة عن بنود الاتفاقية، ويشاهد فيلم وثائقي عن توقيع الاتفاقية، إضافة إلى إمكانية الاطلاع على كل الوثائق المتعلقة بها، وهناك كثير من مقتنيات حرس الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي مثل الأزياء الرسمية، والقبعات المختلفة ، تقول: السيدة “كنايب ” أن المتحف ينظم فعاليات عديدة حول قضايا الاتحاد الأوروبي، والاهتمام بالعمل علي تعزيز النقاشات المحلية والإقليمية للاتحاد.
قبالة المتحف في نهر موزل ترسو سفينة ” ام اس برينسيس ماري استريد” التي وقعت علي متنها الاتفاقية الأولي حول إزالة الحدود، وعلي الشاطئ أمامها جداريات أصلية من من سور برلين ترمز إلى إزالة العوائق، وحرية التنقل بين الأقطار الأوروبية .
موقع القرية الحدودي كان وراء اختيارها في سنة 1985 لتوقيع المرحلة الأولى من اتفاقية ” شنجن” الأولى لإزالة الحدود بين دولة لوكسمبورج وبلجيكا وهولندا من ناحبة وبين ألمانيا وفرنسا من ناحية أخرى، ثم جاءت بعد ذلك في مرحلة أخرى من الاتفاقية الثانية التي تم بمقتضاها التخلي عن الضوابط الموجودة على الحدود المشتركة، وتواصلت الاتفاقيات والتوسع في دول الاتحاد الأوروبي حتي وصلت إلى 26 دولة الآن، تسمح بتنقل 400 مليون مواطن بين أقطار الاتحاد المختلفة .
أحد اكثر التحديات الصعبة التي تغلب عليها الأوربيون هو فتح الحدود وتسهيل السفر بين دول الاتحاد، ولا يعرف أهمية ولا قيمة ذلك إلا المسافرين عبر دوله، فأنت لا تحتاج إلا إلى تذكرة السفر، وتستطيع التنقل من مطار إلى آخر دون الحاجة إلى جواز السفر أو حتي البطاقة الشخصية، وأتذكر عندما فقدت حافظة نقودي وبها البطاقة الشخصية في لوكسمبورج عدت إلى ميونيخ دون أن يسألني أحد عن الهوية الشخصية سواء في مطار “فندل” أو مطار “ميونيخ”!
أنهيت زيارة ” شنجن” وسط تساؤل يطرح نفسه بعد موجة النزوح الجماعي إلى دول أوربا ـ هل الاتفاقية ستصمد أمام تلك الهجرة ؟، وهل ستعيد دول أوروبا النظر في إزالة الحدود وتعود إلى مراقبتها إلى ما قبل الاتفاقية ؟.. لا أحد يستطيع التكهن بإجابة محددة في الوقت الحالي، خاصة أن أوروبا عانت كثيرا من ويلات الانقسام والحروب، وخير دليل علي ذلك المتحف الحربي في منطقة ليست بعيدة عن قرية “شنجن” وهو متحف يضم العديد من مخلفات الحرب العالمية الثانية الأصلية من مركبات حربية، وقذائف صاروخية، ومعدات الجنود، وصور مرعبة للحرب تم الحصول عليها من الأرشيف الألماني والأمريكي . إذن في منطقة واحدة وصغيرة يشهد متحفان علي كيف يصنع البشر الخير من أجل الناس ، وأيضا كيف يصنعون الشر من أجل فنائه وقتله ..انتهت الرحلة ولملمت أوراقي وعدت من زيارتي الغنية بالمشاهدات إلى ميونيخ وأنا أدعو الله أن يأتي يوما نشاهد ” شنجن عربية” في عالمنا العربي، تسمح بحرية التنقل بين الدول العربية بدون جواز سفر، ودون الحاجة إلى تأشيرة !





