باريس – د.جمال المجايدة :
رحلتنا الي برج ايفل منارة باريس الخالدة , بدأت بنظرات لانهاية لها, نقف الى جانب الزوار الذين يحدقون من على سطح قمته بالريح التي تجوب العالم وكأنها تنطلق منه.
انه برج اسطوري يمثل باريس، وباريس هي فرنسا، فهو رمز لها، بينما يبتكر الزائرون طرقا كثيرة لتسلقه فمنهم من يصعده بالدراجات دون ان يمس ارضيته، ومنهم من يتأمل حديده ويبحث عن مكان يطليه باسمه وتاريخه على البرج.
تصعد كابينة البرج الي الاعلي ممتلئة بالزوار الذي جاءوا من مختلف دول العالم بقاراته الست لمشاهدة باريس وبرج ايفل, غير ان اللافت للانتباه هو تلك العبارات المكتوبة علي لوحات معلقة داخل الكابينة العملاقة باللغات الانجليزية والفرنسية ( احذروا لصوص حافظات النقود , لاتضعوا شئيا في جيوبكم ) .
وبالعودة الي البرج الذي انشئ قبل 114 سنوات علي يد المهندس العبقري ( ايفل ) نري انه لايزال المعلم السياحي الذي يجتذب اكبر عدد من الزوار في العالم.
ونظرا الى النجاح الباهر الذي حققه , يريد البرج في الواقع ان يستبق الزمن مسافة قرن كامل، حتى يتسلق درجاته ومصاعده عشرة ملايين سائح سنويا،
وهذا التقدم «حتمي» كما يقول جان ـ بيار بروس رئيس شركة ادارة البرج المؤلف من المبنى والارض والطوابق السفلى الذي تملكه بلدية باريس. ولاستقبال هذه الجموع وتلك التي ستأتي، فان البرج الذي يبلغ ارتفاعه 324 متراً مازال يحافظ تقريبا على التصميم الذي تخيله (غوستاف ايفل) الذي عول على 500 الف سائح سنويا. لكن الواقع كان غير ذلك. فمنذ الاسبوع الاول لتدشين البرج في الاول من مايو 1889 في الذكرى المئوية للثورة الفرنسية، وحين كانت المصاعد مازالت متوقفة، تدفق 29 الف سائح تسلقوا درجات البرج الـ 1662.
وبلغ عددهم 19 مليون في نهاية المعرض الكوني. وفي الواقع، فان البرج الذي استغرق بناؤه سنتين بتكلفة متواضعة نسبيا ـ 15 مليون يورو اليوم ـ شهد كما قال بروس سنوات قاحلة. ففي بداية القرن العشرين نبذه الجمهور فارتفعت اسهم الراغبين في افول نجم هذا الاثر المعماري الذي كانت مدة امتيازه تنتهي في 1909. لكنه اصبح هوائيا عملاقا اساسيا للاتصالات البرقية المدنية والعسكرية، ففرض «البرج الفريد من نوعه» كما يسميه بليز سيندراس، نفسه رمزا لباريس ويحطم باستمرار الارقام القياسية التي يسجلها.
وعلي ارتفاع 1000 قدم «قرابة 300 متر» حيث تجلد الريح قمة برج ايفل، يأتي بشر كثيرون من كافة ارجاء العالم , يكتبون اسماءهم، عشاق وسياسيون، على الحديد البارد، ويحيلون اهم معالم فرنسا الى رمز عالمي في كتابات متحركة.ومع مشهد باريس التي تبدو من فوق البرج قطعة صغيرة، يبدو غريبا ان يهتم الزائرون بكتابة اسمائهم وتسجيل وجودهم في اعلى البرج، على النظر للمشهد الرائع اسفلهم.لكن الاسماء المكتوبة تبرز سؤالا مهماً، لماذا بقي البرج منذ 114 عاما حتى اليوم،
ايزابيل ايسنوس التي تشرف شركتها على إدامة البرج تقول ان عمر البرج سيفوق اعمارنا جميعا وبفارق كبير، والذي بدا مستبعدا منذ اكثر من قرن من الزمان عندما كشف غوستاف ايفل خطته، التي بدأ بها اعمال حفريات اساس البرج في 14 فبراير 1887، عندها عصفت بالحكومة احتجاجات النجوم الفرنسيين الذين كانوا كالرعد يصرخون انه «عار باريس»، وكان ايفل ينوي رفعه 324 متراً اي اعلى من علوه الحالي. الروائي جوريس ـ كارل هيوسمانز اسماه «لغز اللبوس بالفتحات»، بينما قال ليون بلوي وهو روائي ايضا، انه مصباح شارع مأساوي حقا.
والبرج ليس له معنى كبير سوى انه انتخب قبل عام 1930 كأعلى برج في العالم، واصبح بعد ذلك يمثل رمزا يطرزه الحرفيون على الاقمشة البيضاء تذكارا يسوقه السياح معهم.
والغريب انه مع الباحثين عن العلو الروحي في علو البرج وصموده نجد ان المئات ماتوا فيه، معظمهم انتحر ملقيا بنفسه من اعلاه، بينما سقط الباقون من فرط اعجابهم وانشداههم به، او لممارستهم بعض الاثارة على هيكله، وقليلا ما تجد من مات خوفا من علوه قبل ان يعود الى الارض من ثقب عمقه 30 سنتمترا.
وتسجل تواريخ البرج ان اول منتحر شنق نفسه في حديد البرج كان ميكانيكي لآلة طباعة، علق نفسه من قطبه الشمالي عام 1891، اورث ملابسه لايفل في وصيته، بينما يقول القائمون على البرج ان اخر منتحر القى نفسه من البرج قبل عامين، ولعل الطابق الثاني هو اكثر ما يخيف العاملين في البرج وهو الذي يحوي الثقب الاكبر.
ونجد المشرفين عليه يحذرون السياح باكثر من خمس لغات من الانتباه والابتعاد عن الطابق الثاني حيث ينقلون من هناك الى مصعد اخر في الطابق الثالث لينتقلوا الى السطح بعد ذلك ومن النوافذ تسقط باريس تباعا وتبتعد شيئاً فشيئاً. الا ان المخاوف من تزايد عمليات الانتحار دفعت ادارة البرج الي تسييج الطابق العلوي ( 300 مترا ) بالاسلاك والقضبان المعدنية التي تسمح بالرؤية فقط دون القدرة علي اخراج الراس من الفتحات المعدنية حرصا علي الزوار وحفاظا علي حياتهم .
حقائق وارقام :
ـ طوله مع سارية العلم 312 متراً «1.030 قدماً» عندما اكمل بنائه عام 1889، والان مع هوائي التلفزيون يبلغ ارتفاعه 324 مترا «1.069 قدما»، كان اعلى نصب في العالم حتى بنيت بناية كريسلر عام 1930.
ـ بناؤه بدأ في يناير 1887، يجمع 18038 قطعة حديد و2.5 مليون مسمار في سنتين وشهرين وخمسة ايام ويزن 10100 طن.
ـ كلفته بلغت 1.5 مليون دولار، استرد الكثير منه في مبيعات تذاكره في معرض باريس الدولي عام 1889 عندما افتتح البرج.
ـ بافيه هو غوستاف ايفل، وهو مهندس ولد في ديجون شرق فرنسا في 1832، بنى جسورا، ومحطات للسكك الحديد، وصمم الهيكل الحديدي لتمثال الحرية لنيويورك توفي عام 1923 عن عمر ناهز 91.
ـ تملك البرج مدينة باريس.
ـ زواره قاربوا 300 مليون منذ عام 1889 تجاوزوا ستة ملايين عام 2019. ـ كتب عليه بافيه غوستاف ايفل يقول: انه مشهور اكثر مني

