بعد الذي أصاب بعضَ الدول العربية جراء اضطرابات ما يسمى «الربيع العربي»، وما تعرضت له مجتمعاتها من قلاقل وانقسامات وتمزقات ومآسي وخراب ودمار.. أصبحت مناطق من أراضي هذه الدول مرتعاً للإرهاب ومصدراً للعنف وساحات للاقتتال والتفرقة وخراب الديار. وفي تلك المناطق حدث التنازع والاقتتال وحلّت كوارث الفرقة والطائفية والاقتتال الداخلي والحروب الأهلية.. وكل ذلك بسبب هذا «الربيع» المشؤوم. إنما حدث في تلك الدول كان نجاحاً لأجندات التطرف التخريبية التدميرية، بعد أن كانت دولا آمنةً مستقرة، تحاول التغلب على مشكلاتها التنموية في ظل حد مقبول من الوئام الداخلي.
وبسبب الأوضاع الجهنمية التي أوجدها «الربيع العربي» في البلدان المنكوبة به، فقد أصبح الملايين من أبنائها ما بين لاجئ ونازح ومطارد وسجين وقتيل.. ومنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر فاراً بجلده من القتل والتنكيل. الكثير منهم قرر الفرار من وطنه بحثاً عن ملاذ آمن أو ملجإ يحميه من القتل أو الموت جوعاً. وقد لاحظنا ما تعرض له الملايين منهم، خلال السنوات الماضية، في مخيمات اللاجئين بدول الجوار أو على أرصفة شوارع مدن الدول الغربية البعيدة، وما كابدوه من معاناة نفسية وبدنية قاسية، لاسيما في فصل الشتاء وبرده القارص وأمطاره الغزيرة، مع نقص ما فتئ يعانيه نزلاء مخيمات اللاجئين في وقود الطهي والتدفئة والأغطية والملابس والأغذية، تحت خيامهم المهترئة وفي مناطقها الطينية التي يصعب إيصال ما يتوفر من إمدادات قليلة إليها.
لكن شتاء هذا العام يبدو مختلفاً عن كل ما سبقه من شتاءات، فهو أشد قسوةً منها جميعاً، إذ ينذر بهلاك اللاجئين، ليس قط بسبب برده القارص، ولكن أيضاً بسبب الحرب الدائرة وما يترتب عليها من أزمة في إمدادات الطاقة أدت إلى نقص المحروقات وارتفاع أسعارها على نحو غير مسبوق. وهو ما يثير القلق على سلامة اللاجئين وأطفالهم، بينما يطل شبح نقص المحروقات في أوروبا وغيرها.. فماذا سيحل باللاجئين الذين يعيشون جياعاً في مخيمات يحيطها العراء خلال الشتاء الذي بدأ يطرق الأبواب؟ إنه الشتاء الأسوأ منذ عقود، وهو يمر على البشرية بحالة حرجة ومقلقة.. فهل استنفرت الدول والمنظمات والهيئات المعنية بهؤلاء اللاجئين لحمايتهم من مأساة متوقعة في شتاء ملبد بغيوم الخوف من الآتي؟
تجار الحروب ومروجو القتل لا تهمهم معاناة البشر، بل همهم الأول هو كم سيدخل جيوبهم من الأموال، ولا تعني لهم شيئاً معاناة اللاجئين أو أعداد الموتى جراء الحروب العبثية التي تحصد الأرواح بلا وازع من ضمير أو حس إنساني!
إنه عصر «النظام العالمي الجديد»، حيث تتكرر مآسي اللاجئين مع كل شتاء، وحيث يلفظ الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن أنفاسهم الأخيرة تحت قسوة البرد والمطر والثلج، بلا رعاية ولا رأفة من جانب هذا «النظام العالمي الجديد».. وهي مأساة ستتفاقم مع ارتفاع أسعار الغاز وفي ظل أزمات تطل برأسها في عواصم الدول الصناعية الكبرى، غير آبهة بمن سيموتون من البشر في مخيمات اللاجئين التي ستنال نصيبها من الثلوج والأمطار تماماً كما ستنال نصيبها من الإهمال والنسيان!
*كاتب سعودي
