د. علي القحيص
تشدني المناظر الطبيعية منذ الصغر، ودائماً أتفرج على أفلام عالَم الحيوان والطبيعة بشغف، وتستهويني رحلات القنص والصيد وطلعات البر، وأستمتعُ بمقاطع الفيديو لمطاردة الحيوانات من قبل الهواة والصيادين.. ومن كثرة مشاهداتي لهذه المناظر الطبيعية، ومنها المطاردات الممتعة والقاسية أحياناً، فقد تعودت على متابعة مقاطع لا يستطيع مشاهدتَها أهلُ القلوب الضعيفة لما فيها من عنف وقسوة.
لكني لاحظتُ أن بعضَ المصورين عديمي الإحساس وليس في قلوبهم رحمة، وذلك من خلال بعض المشاهد التلفزيونية ومقاطع الفيديو التي أتابُعها؛ فحين يفترس حيوانٌ كاسرٌ متوحشٌ حيواناً صغيراً أو مخلوقاً برياً لطيفاً، يجتهد المصورون في الاقتراب منه أو تقريبه شيئاً فشيئاً لالتقاط المقاطع المثيرة والمفزعة والأكثر وحشيةً وقسوةً، دون مراعاة لحالة الحيوان الضحية الذي يصرخ ويتلوَّى من هول آلامه، محاولا التخلص من الحيوان الكاسر الذي افترسه! ينقل المصورون صراخَ الضحية ومنظرَه وهو يصارع الموت؛ غارق في دمائه، مكسَّرَ العظام مقطَّع الأوصال.. كل ذلك والمصورون يتفرجون على الضحية بسكينة وبلا حراك أمام هذا المشهد المروع. نجدهم يراقبون مسرحَ الجريمة كما لو أنهم يتلذذون بما يحدث، رغم أنه باستطاعتهم في أحيان كثيرة إنقاذ الحيوان المعتَدى عليه بأي طريقة، لكنهم يواصل تأملاتهم على وقع الجريمة، في استمتاع بدور الفُرجة على عذابات المخلوق الضحية. إن همهم الأكبر أن يلتقطوا صوراً من مَشاهد القتل والافتراس والموت، ليبيعوها بأغلى الأسعار، غير آبهين بما اقترفه الحيوانُ المفترسُ المعتدي. فهل ماتت مشاعر هؤلاء المصورين وتبلّدت أحاسيسهم وأصبحوا جزءاً من قساوة البيئة وتأثروا بما فيها من عنف وقسوة وبطش؟ هل ما عادت تهمُّهم موت الآخرين، وهم على مرمى حجر من مسرح الجريمة البشعة؟
إن أسئلة من ذلك القبيل أصبحت تتبادر لأذهان الكثيرين، متسائلين: هل هؤلاء بشر أم حجر؟ وهل ماتت قلوبهم في عدسات كاميراتهم؟
والواقع أنه خارج الحياة البرية ومصوريها هناك الآن في المدن، وعلى الطرقات، مَن يصورون ضحايا حوادث المرور، وينشرون مَشاهد إنسان وهو يتلوى من شدة الألم جراء إصابته في الشارع العام.. فيصوره متطفلٌ فضولي تدفعه الرغبة في الحصول على سبق النشر في وسائل التواصل الاجتماعي إلى وضع صور الضحية وهو في ذلك الوضع بين يدي ملايين المتابعين، بدل أن يترك التصوير من أجل المبادرة بإنقاذ حياة إنسان من الموت، ولو عبر الاتصال بالشرطة أو مصالح الإسعاف أو المباشرة بإسعاف المصاب بدلا من التفرج عليه وتصويره في وضعية من ذلك النوع!
إن ذلك الصنف من السلوك يحتاج إلى إعادة نظر وتأمل، وإلى سن قوانين لتجريمه في جميع الدول. كما يتعين بث التوعية وتوجيه الإرشادات والتعليمات لاقتلاع هذا النوع من المسلكيات، وما تسببه من ضرر بمشاعر الآخرين وحياتهم، لكي يتطهر الإنسانُ من وحشية العنف وغلظة القلب، حتى يشعر بعواطف النبل والعطاء والتضامن للمساهمة في صنع حياة جميلة خالية من الشوائب التي ما زالت جاثمة في بعض العقول والنفسيات، متخفيةً خلف أقنعة ينخدع بها بعض المغرر بهم من أهل القلوب البريئة!
*كاتب سعودي
