إعداد: آيريس ميديا
رقم واحد قد يكفي وحده لإعادة رسم صورة دولة كاملة في الأذهان: أكثر من مليار إنسان حول العالم استفادوا، منذ عام 1971 وحتى اليوم، من يد ممدودة لم تتوقف يوماً عن العطاء. هذا ليس شعاراً دعائياً ولا رقماً مبالغاً فيه، بل حصيلة رسمية موثّقة لمسيرة دولة الإمارات العربية المتحدة في العمل الإنساني، تلك المسيرة التي بدأت مع تأسيس الدولة نفسها، وتحولت على مدى أكثر من خمسة عقود إلى واحدة من أكثر تجارب العطاء اتّساقاً واستدامةً على مستوى العالم. والأهم أن هذه المسيرة لم تتوقف عند أرقام 2025، بل تتجدّد شهراً بعد شهر خلال عام 2026، من تعهدات أممية جديدة بمئات الملايين من الدولارات، إلى مساعدات عاجلة لضحايا زلزال في أميركا الجنوبية لم يمضِ عليها أيام. فحين تتحدّث الأرقام الرسمية الصادرة عن جهات حكومية إماراتية ودولية عن مليارات الدراهم وملايين المستفيدين وآلاف الأطنان من الإغاثة، فإننا لسنا أمام مجرد سياسة خارجية، بل أمام هوية وطنية راسخة، جعلت من الإمارات عاصمة عالمية غير معلنة للعمل الإنساني.
عطاء بلا انقطاع منذ التأسيس
منذ اللحظة الأولى لقيام الاتحاد عام 1971، اختارت دولة الإمارات أن يكون العمل الإنساني جزءاً أصيلاً من هويتها الخارجية، لا مجرد استجابة موسمية للأزمات. وتشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي ما قدمته الدولة من مساعدات خارجية منذ تأسيسها وحتى منتصف عام 2024 تجاوز 368 مليار درهم إماراتي، أي ما يقارب 100 مليار دولار أميركي، استفاد منها أكثر من مليار شخص حول العالم. وبحسب وزارة الخارجية والتعاون الدولي، التزمت الدولة بتخصيص ما لا يقل عن 15% من إجمالي مساعداتها الخارجية للمساعدات الإنمائية وحدها، عبر أكثر من 40 جمعية خيرية ومؤسسة حكومية وشركة خاصة تعمل جميعها تحت مظلة العمل الإنساني الإماراتي، فضلاً عن استضافة دبي لـ”المدينة الإنسانية الدولية” كمنصة لوجستية عالمية للإغاثة. وهذا الرقم، بحجمه وامتداده الزمني، يضع الإمارات في مصاف الدول القلائل التي حوّلت العطاء الإنساني إلى مؤسسة راسخة لا تتأثر بتقلبات الظروف أو تغير الأولويات.
550 مليون دولار.. أول تعهدات الإمارات لعام 2026
قبل أن يبدأ عام 2026 رسمياً بأيام، كانت الإمارات قد حجزت مكانها في قائمة أوائل الدول المتعهدة بدعم خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية العالمية لهذا العام. ففي ديسمبر 2025، وبتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، أعلنت الإمارات عن تعهد جديد بقيمة 550 مليون دولار أميركي لدعم الخطة الأممية، التي تستهدف جمع 33 مليار دولار خلال عام 2026 لإغاثة نحو 135 مليون شخص عبر 23 عملية إنسانية حول العالم، من بينها أولوية عاجلة لإنقاذ 87 مليون شخص يحتاجون دعماً فورياً بقيمة 23 مليار دولار. هذا التعهد المبكر لم يكن مجرد بند مالي في تقرير أممي، بل رسالة سياسية بأن الإمارات تدخل عام 2026 بالزخم الإنساني نفسه، إن لم يكن أكبر، الذي أنهت به العام السابق.
غزة 2026.. الأرقام تتجاوز 3.89 مليار دولار
من بين كل الملفات الإنسانية التي انخرطت فيها الإمارات، تبقى استجابتها لأزمة قطاع غزة الأضخم في تاريخها، والأرقام المحدّثة حتى منتصف 2026 تؤكد ذلك. فمنذ انطلاق عملية “الفارس الشهم 3” في 5 نوفمبر 2023 وحتى الأشهر الأخيرة من عام 2026، تجاوزت قيمة المساعدات الإماراتية لغزة 3.89 مليار دولار أميركي، بإجمالي أكثر من 126 ألف طن من المواد الإغاثية والطبية والغذائية، وصلت عبر أكثر من 770 رحلة جوية، و25 سفينة إغاثة، وأكثر من 13 ألف شاحنة نقل بري، إضافة إلى تقديم الخدمات العلاجية وتنفيذ مبادرات إنسانية وتنموية متلاحقة. وعلى الأرض، واصل المستشفى الميداني الإماراتي في غزة والمستشفى العائم قبالة العريش استقبال آلاف الحالات الطبية شهرياً، فيما استمرت عمليات إجلاء المرضى ومرافقيهم لتلقي العلاج داخل دولة الإمارات. وتؤكد هذه الأرقام أن العمل الإنساني الإماراتي في غزة لم يكن استجابة آنية لحظة الأزمة، بل عملية ممتدّة تتجدّد شهراً بعد شهر منذ أكثر من عامين ونصف.
ميانمار وألبانيا وكولومبيا.. استجابة سريعة في قلب 2026
لم تنتظر الإمارات نهاية العام لتترجم التزاماتها إلى أفعال على الأرض؛ فمع وقوع زلزال مدمر في جمهورية ميانمار مطلع 2026، أرسلت الدولة أكثر من 367 طناً من المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء لدعم عشرات الآلاف من المتضررين، فيما شاركت فرق إماراتية متخصّصة في عمليات إخماد الحرائق التي اجتاحت ألبانيا، دعماً لجهود الاستجابة هناك. وفي أحدث محطات هذا العطاء المتجدّد، أعلنت وكالة الإمارات للمساعدات الدولية، قبل أيام فقط من كتابة هذا التقرير، تخصيص 10 ملايين دولار أميركي لإغاثة المتضررين من الزلزال الذي ضرب جمهورية كولومبيا الصديقة، على أن تشمل المساعدات إمدادات طبية ومواد غذائية ومستلزمات إيواء، بالتنسيق المباشر مع الجهات المعنية في كولومبيا والشركاء الدوليين. هذا التتابع السريع للاستجابات، من آسيا إلى أوروبا وصولاً إلى أميركا الجنوبية، يعكس منظومة إنسانية إماراتية جاهزة للتحرك في أي لحظة وفي أي بقعة من العالم.
السودان وتشاد والصومال.. عطاء لا يعرف الحدود الجغرافية
وفي ملف السودان، الذي يشهد واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في المنطقة، تكشف الأرقام المحدّثة حتى عام 2025 أن مساهمات الإمارات منذ عام 2015 وحتى اليوم بلغت نحو 4.24 مليار دولار أميركي، شملت مساعدات مالية ولوجستية وصحية لدعم جهود الإغاثة والاستقرار في المناطق المتأثرة بالنزاع. وفي تشاد، وبعد الفيضانات التي ضربت البلاد، أرسلت الإمارات 30 ألف سلة غذائية و20 ألف بطانية لمساعدة المتضررين، فيما شحنت إلى الصومال نحو 700 طن من الإمدادات الغذائية لدعم المجتمعات المتأثرة بالجفاف. وتؤكد وزارة الخارجية والتعاون الدولي أن هذه المساعدات كافة توجَّه دائماً بعناية خاصة نحو النساء والأطفال في مناطق الكوارث والصراعات، باعتبارهم الفئات الأكثر هشاشة في أي أزمة إنسانية.
عملية “الفارس الشهم”.. جسر عالمي بلغ 2.6 مليار دولار
وإلى جانب ملف غزة تحديداً، تكشف الحصيلة الشاملة لعملية “الفارس الشهم” بمختلف مراحلها أن القيمة الإجمالية للمساعدات التي قدّمتها بلغت حتى يناير 2026 نحو 2.6 مليار دولار أميركي، من بينها 1.6 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، عبر تسيير 737 رحلة جوية و24 سفينة مساعدات انطلقت من موانئ الدولة وميناء العريش وقبرص، إلى جانب إدخال نحو 10 آلاف شاحنة محمّلة بالأدوية ومواد الإيواء والمواد الغذائية. وتنسجم هذه الأرقام مع المبدأ التاسع من “مبادئ الخمسين” التي تحكم فلسفة المساعدات الإنسانية الخارجية للدولة، والذي ينص على أن هذه المساعدات لا ترتبط بدين أو عرق أو لون أو ثقافة، وأن الاختلاف السياسي مع أي دولة لا يبرر عدم إغاثتها وقت الكوارث والأزمات.
مبادرات محلية تكمّل المشهد العالمي
وإلى جانب حضورها العالمي، حرصت الإمارات على أن يكون العمل الإنساني حاضراً في نسيجها المجتمعي الداخلي عبر مبادرات نوعية تواصلت من 2025 إلى 2026، أبرزها حملة “وقف الأب”، الهادفة إلى إنشاء صندوق وقفي مستدام لدعم العلاج والرعاية الصحية للفئات المحتاجة، إلى جانب “مبادرة إرث زايد الإنساني” التي تحمل رؤية استراتيجية لاستدامة العطاء عبر الأجيال. كما نجحت حملة “وقف الحياة”، الداعمة لمرضى الأمراض المزمنة، في جمع 509 ملايين درهم لصالح المستفيدين منها، فيما أطلق بنك الإمارات للطعام، بالشراكة مع مبادرة “نعمة”، مشروعاً لتوفير مليون وجبة من فائض الطعام خلال شهر رمضان، في نموذج يجمع بين الاستدامة ومكافحة الفقر الغذائي في آن واحد.
أهمية العمل الإنساني في الهوية الوطنية الإماراتية
لا يمكن قراءة هذا الكم الهائل من الأرقام بمعزل عن الفلسفة التي تحكمه؛ فالعمل الإنساني في الإمارات ليس نشاطاً عابراً يُدار بمعزل عن السياسة العامة للدولة، بل هو امتداد طبيعي لنهج تأسّس عليه الاتحاد منذ يومه الأول، وترجمة عملية لرؤية قيادة آمنت دائماً بأن الاستقرار العالمي والسلام الدولي لا يتحقّقان إلا بالتكافل الإنساني والتضامن بين الشعوب. وهذا ما يفسر لماذا تحافظ الإمارات على موقعها بين أبرز الدول المانحة عالمياً عاماً بعد عام، بصرف النظر عن حجمها الجغرافي أو عدد سكانها، إذ تحوّلت “دبلوماسية العطاء” إلى أحد أهم أدوات حضورها ونفوذها الناعم على الساحة الدولية، وهو ما يتأكد يوماً بعد يوم مع كل تعهد جديد وكل قافلة إغاثة تنطلق من موانئ الدولة ومطاراتها.
العطاء حين يتحوّل إلى سياسة دولة وثقافة مجتمع
حين تُجمع كل هذه الأرقام في مشهد واحد، مليار مستفيد منذ التأسيس، و550 مليون دولار تعهد مبكر لعام 2026، و3.89 مليار دولار لغزة وحدها، و2.6 مليار دولار عبر “الفارس الشهم”، و4.24 مليار دولار للسودان، وملايين الدولارات تصل إلى كولومبيا وميانمار خلال أسابيع من وقوع الكوارث، فإن الحقيقة التي تفرض نفسها لا تحتاج إلى مزيد من الشرح: إن دولة الإمارات لم تكتفِ بأن تكون شاهدة على أزمات العالم، بل اختارت، منذ خمسة عقود ونصف، أن تكون طرفاً فاعلاً في تخفيف وطأتها، بلا ضجيج إعلامي يوازي حجم عطائها الحقيقي. وبينما يمضي عام 2026 من زلزال إلى فيضان إلى أزمة نزوح، تبقى الإمارات على موعدها الثابت مع الإنسان، أينما كان، وكيفما كانت ظروفه، لتثبت مرة تلو الأخرى أن العطاء حين يتحوّل إلى سياسة دولة وثقافة مجتمع، لا يبقى رقماً في تقرير، بل يتحول إلى أثر يمتد أجيالاً بعد أجيال.
المصادر: بيانات رسمية صادرة عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، وكالة الإمارات للمساعدات الدولية، الهيئة الوطنية للإعلام، إلى جانب خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ومؤشر القوة الناعمة العالمي 2025.


