د. جمال المجايدة
لم تعد قضية اللغة العربية اليوم مرتبطة بحماية التراث وصون الهوية فقط، بل أصبحت جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بموقع العالم العربي في اقتصاد المعرفة والثورة الرقمية. وفي هذا السياق، تكتسب استضافة أبوظبي كونغرس العربية والصناعات الإبداعية أهمية تتجاوز حدود الفعالية، لأنها تضع العربية أمام اختبار المستقبل: هل تبقى لغة ذات إرث حضاري عظيم، أم تتحول أيضاً إلى لغة فاعلة في التكنولوجيا والابتكار والصناعات الإبداعية؟
هذا السؤال يأتي في لحظة تتسارع فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تعيد تشكيل التعليم والإعلام والنشر والترجمة وصناعة المحتوى. وأصبح حضور اللغة في البيئة الرقمية مرتبطاً بامتلاك البيانات، والنماذج اللغوية، والأدوات التقنية، والمحتوى القادر على المنافسة.
لذلك فإن الاستثمار في العربية لم يعد استثماراً ثقافياً فحسب؛ إنه استثمار في المعرفة والاقتصاد والقدرة على التأثير.
تكمن إحدى أهم رسائل الكونغرس في الربط بين العربية والصناعات الإبداعية. فالرواية يمكن أن تصبح فيلماً، والشخصية التراثية لعبة إلكترونية، والمحتوى التعليمي منصة رقمية، والقصة العربية منتجاً يصل إلى جمهور عالمي.
العالم العربي يمتلك ثروة هائلة من الأدب والتاريخ والفنون والتراث، إلى جانب سوق واسعة وشريحة شابة. لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الرصيد إلى منتجات إبداعية قابلة للتوسع والتصدير.
وهنا تبرز أهمية الملكية الفكرية والتمويل وتطوير المواهب وربط المبدعين بالتكنولوجيا والأسواق. فالإبداع لا يصبح صناعة إلا عندما تتوافر له منظومة تحميه وتموله وتوصله إلى الجمهور.
لماذا أبوظبي؟
تكتسب المبادرة أهمية إضافية من انعقادها في أبوظبي، التي طورت خلال السنوات الماضية منظومة تجمع الثقافة والتكنولوجيا والاستثمار والمعرفة.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الكونغرس باعتباره منصة للحوار بين المؤسسات الثقافية والمبدعين وشركات التكنولوجيا والمستثمرين، وليس مجرد ملتقى أكاديمي. وهذه الشراكة هي ما تحتاج إليه العربية لكي تنتقل من النقاش حول مستقبلها إلى المشاركة الفعلية في صناعته.
الذكاء الاصطناعي.. التحدي والفرصة
أمام الذكاء الاصطناعي، تقف العربية أمام فرصة تاريخية. فوجود أكثر من 400 مليون متحدث بها لا يكفي لضمان حضورها في التكنولوجيا؛ المطلوب هو بناء محتوى وبيانات وأدوات ونماذج قادرة على فهم العربية وتوليدها ومعالجتها بمستوى يوازي اللغات الأكثر حضوراً في العالم الرقمي.والأهم أن يكون العرب منتجين للتقنية والمحتوى، لا مجرد مستهلكين لها.
وهذا يتطلب تعاوناً بين الحكومات والجامعات ومراكز البحث وشركات التكنولوجيا والمبدعين، واستثمارات طويلة الأمد في اللغة والبيانات والمهارات.
الشباب هم نقطة التحول
مستقبل العربية سيحدده إلى حد كبير جيل نشأ في البيئة الرقمية. ولذلك فإن تعزيز مكانة اللغة لا يتحقق بإعادة إنتاج الأدوات القديمة، بل بإدخال العربية إلى عالم الشباب: الألعاب، والمنصات، والبودكاست، والسينما، والتطبيقات، والذكاء الاصطناعي.
كلما أصبحت العربية لغة جذابة للإبداع والعمل والتكنولوجيا، أصبحت قدرتها على الاستمرار أقوى.الرسالة الأهم التي خرج بها هذا الكونغرس هي أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الدفاع عن العربية إلى تمكينها.
تمكينها من إنتاج المعرفة، وصناعة المحتوى، وامتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي، وحماية حقوق المبدعين، وبناء شركات قادرة على المنافسة، والوصول بالمنتج الثقافي العربي إلى الأسواق العالمية.
وهنا تتجاوز أبوظبي دورها كمضيف للكونغرس إلى دور أوسع يتمثل في توفير مساحة تجمع الثقافة بالتكنولوجيا والاقتصاد.
إن العربية لا تحتاج إلى أن تعيش على أمجاد الماضي؛ فهي تمتلك المقومات التي تؤهلها للمشاركة في صناعة المستقبل.
والرهان الحقيقي اليوم ليس على بقاء العربية، وإنما على قدرتها على أن تكون لغة للابتكار والإبداع والاقتصاد الرقمي، بقدر ما كانت عبر تاريخها لغة للعلم والثقافة والحضارة.
