د.جمال المجايدة :
تشهد دولة الإمارات العربية المتحدة تحولًا اقتصاديًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، يتمثل في تفوّق عوائد الصناديق السيادية على الإيرادات النفطية، وهو تطور يعكس نجاح سياسات التنويع الاقتصادي , ويؤكد الانتقال التدريجي من اقتصاد ريعي قائم على الموارد الطبيعية إلى اقتصاد استثماري متقدم يعتمد على إدارة رأس المال وتنميته عالميًا.
يمثل هذا التحول مؤشرًا واضحًا على تغير هيكل الدخل القومي، حيث باتت العوائد الاستثمارية القادمة من الصناديق السيادية مثل جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)، مبادلة، القابضة (ADQ)، ومؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية , تشكل رافدًا ماليًا مستدامًا أقل تأثرًا بتقلبات أسعار النفط وأسواق الطاقة.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، يساهم هذا التغير في:
-تعزيز الاستقرار المالي والقدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
-تحسين كفاءة إدارة الفوائض المالية.
-دعم التوازن في المالية العامة دون اللجوء إلى أدوات ضريبية إضافية.
-الصناديق السيادية كأداة استقرار اقتصادي
تلعب الصناديق السيادية الإماراتية دورًا محوريًا في إدارة المخاطر الدورية للاقتصاد، عبر تنويع المحافظ الاستثمارية جغرافيًا وقطاعيًا، والاستثمار في أصول طويلة الأجل ذات عوائد مستقرة، مثل البنية التحتية، التكنولوجيا المتقدمة، الطاقة المتجددة، والرعاية الصحية.
وتُظهر هذه الاستراتيجية قدرة الإمارات على تحويل الثروة النفطية إلى أصول منتجة تولّد تدفقات نقدية متكررة، ما يعزز مرونة السياسة المالية على المدى المتوسط والطويل.
انعكاسات مباشرة على السياسة المالية
-تفوق العوائد الاستثمارية على النفط يمنح صانع القرار المالي مساحة أوسع لتحقيق الاهداف التالية :
-التخطيط طويل الأمد للإنفاق الرأسمالي.
-تمويل مشاريع التحول الاقتصادي دون الضغط على الميزانية.
كما يسهم في دعم التصنيفات الائتمانية السيادية وتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين بالاقتصاد الإماراتي.
تعميق الدور الاستثماري للإمارات عالميًا
على الصعيد الخارجي، عزز الأداء القوي للصناديق السيادية مكانة الإمارات كـمستثمر مؤسسي عالمي مؤثر، وشريك موثوق في تمويل المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
هذا الدور ينعكس إيجابًا على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ونقل المعرفة، وتعزيز شبكة العلاقات الاقتصادية الدولية للدولة.
يمثل هذا التحول أحد أنجح نماذج إدارة الثروة السيادية في المنطقة، حيث جرى توظيف الإيرادات النفطية السابقة في بناء قاعدة أصول قادرة على توليد دخل متجدد ومستدام، ما يقلل الاعتماد على مورد ناضب ويعزز استدامة النمو الاقتصادي.
خلاصة اقتصادية
إن تفوق عوائد الصناديق السيادية الإماراتية على عوائد النفط لا يُعد إنجازًا ظرفيًا، بل تحولًا هيكليًا في الاقتصاد الوطني، يعكس نضج السياسات المالية والاستثمارية، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية المستقرة والقائمة على رأس المال المنتج.
وهو تطور يعزز قدرة الاقتصاد الإماراتي على مواجهة التقلبات العالمية، ويكرّس نموذجًا اقتصاديًا يُحتذى في إدارة الموارد وتحقيق الاستدامة المالية .